الصفحة 5 من 9

أن النفر"لمَّا رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ رَجَعَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ ثَقُلُوا عَلَيْهِ، قَالَ: فَابْتَدَرُوا الْبَابَ فَخَرَجُوا كُلُّهُمْ" [1] .

وأما عن التأدب معه - صلى الله عليه وسلم - في خطاب زوجاته فقال عزّ من قائل: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) ، فأمرهم إذا أرادوا سؤالَهُنَّ متاعًا ـ وهو يعمّ جميع ما يمكن أن يُطْلَب من المَواعِينِ وَسائر المرَافِق للدين والدنيا [2] ـ أنْ يسْأَلُوهُنَّ من وراء حجاب ساتر بينهم وبينهنَّ، ثم يذكر - جل جلاله - علَّة ذلك وحكمته فيقول: (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) ؛ أي: أكثرُ تطهيرًا لها من الخواطرِ الشَّيطانيَّةِ، وأبعد عن الريبة وسوء الظنّ [3] .

فالحجاب معلّل بطهارة القلوب من خواطر السوء حين لا يكون هناك حجاب ساتر بين الرجال والنساء.

ومجيء هذا الأمر مع أمهات المؤمنين ومع صحابة الرسول - صلى الله عليه وسلم - يُلجِمُ أولئك الذين تهاونوا في أمر الله - جل جلاله - فرفعوا الحجاب في بيوتهم ... وليست نساؤهم أَطهرُ قلبًا من أمهات المؤمنين، كما أنَّ أصحابهم ليسوا أنبلَ نفسًا من صحابة الرسول - صلى الله عليه وسلم - [4] .

والحقُّ أن الحجاب طهارة لقلوب الرجال وقلوب النساء؛ لأن النظرة سهم من سهام إبليس، والعين إذا لم تر لم يشته القلب، وإذا رأت قد يشتهي وقد لا يشتهي، ولذلك كان القلب عند عدم الرؤية أطهر، والأمن من الفتنة حينئذ أظهر، أما رفع الحجاب والاعتماد على الثقة بالنفس فهو طريق لفساد قلوب الرجال والنساء، وفتح لباب الفتنة والشَّر على مصراعيه.

الرّدع عن إيذاء الرّسول - صلى الله عليه وسلم - بأبلغ الوجوه

وبعد ذكر بعض الآداب التي يجب مُراعاتها في بيوت الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ومع أزواجه، وبيان ما خفي على بعضهم مما كان يؤذيه - صلى الله عليه وسلم - ويثقُل عليه يأتي الرّدع عن إيذائه - صلى الله عليه وسلم - في شيءٍ من الأشياء ولو بأقل القليل: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا) .

يأتي تركيب (ما كان) للدلالة على النفي؛ وذلك لأن (ما) للنفي، و (كان) للإثبات، ونفي الإثبات نفي، وقد يخرج عن ذلك ويأتي للدلالة على معانٍ أخرى، منها: الرَّدع والزّجر، قال صاحب أضواء البيان: لفظ (ما كان) يدل على النفي، فتارة يدل ذلك النفي من جهة المعنى على الزَّجر والرَّدع، وتارة يدل على التعجيز، وتارة يدل على التنزيه [5] .

(1) صحيح مسلم، كتاب النكاح، باب زواج زينب بنت جحش ... رقم (1428) ،2/ 1046، سنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الأحزاب، برقم (3218) ،5/ 357.

(2) ابن عطية، المحرر الوجيز،4/ 396، القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 14/ 146،الثعالبي، الجواهر الحسان،3/ 235.

(3) أبو السعود، إرشاد العقل السليم، 7/ 113، الشوكاني، فتح القدير،4/ 298، الآلوسي، روح المعاني،22/ 72.

(4) أبو موسى، محمد محمد، من أسرار التعبير القرآني، مكتبة وهبه، القاهرة، ط2،1996م،385.

(5) انظر: الشنقيطي، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن،3/ 419.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت