سبب فلا شك أنّه قول بعض المنافقين لما يؤذن به قوله تعالى عَقب هذه الآيات: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} [الأحزاب: 60] الآية" [1] ."
العمل بما يُرضي الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا يؤذيه
افتتحت الآية الكريمة الخطاب بنداء المؤمنين بوصف الإيمان، وهو الرابط بينهم وبين الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وفيه حثّ على امتثال الأمر، واجتناب النّهي، ولهذا كان عبد الله بن مسعود - رضي الله عنهم - يقول:"إِذَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ... فَأَرْعِهَا سَمْعَكَ فَإِنَّهُ خَيْرٌ يَامُرُهُ، أَوْ شَرٌّ يَنْهَى عَنْهُ" [2] .
وقبل مجيء الرّدع يأمر الله - جل جلاله - بالتأدب مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - في دخول بيوته وفي خطاب أمهات المؤمنين ـ رضي الله عنهنَّ ـ؛ أما بيوته - صلى الله عليه وسلم - فقد نهى - جل جلاله - عن دخولها في حال من الأحوال إلاّ في حال الدعوة [3] إلى طعام والإِذن في الدُّخُولِ من غير انتظار {إِنَاهُ} ؛ أي:"نضجه وبلوغه، يقال: أَنَى يَانِي إناءً إذا بلغ ونضج" [4] ، ثم إذا دعيتم إلى طعام فادخلوا، فإذا أكلتم الطعام فتفرقوا واخرجوا، ولا تتأخّروا بعد ذلك مُسْتَانِسِينَ لحديث بعضكم بعضًا، قال ابن عطية:"وكانت سيرة القوم إذا كان لهم طعام وليمة أو نحوه أن يبكر من شاء إلى دار الدعوة ينتظر طبخ الطعام ونضجه، وكذلك إذا فرغوا منه جلسوا كذلك، فنهى الله - جل جلاله - المؤمنين عن أمثال ذلك في بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، ودخل في النهي سائر المؤمنين، والتزم الناس أدب الله - جل جلاله - لهم في ذلك، فمنعهم من الدخول إلا بإذن عند الأكل، لا قبله لانتظار نضج الطعام" [5] .
وللحثِّ على النّهي عن دخول بيوت النبي - جل جلاله - بغير إذن بيّن - سبحانه وتعالى - عِلّته، فقال: {إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} ، فاسم الإِشارة يعود إلى الدخول بغير إذن، والانتظار، والاستئناس للحديث، وكلُّ ذلك معلّل بإذاية الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والمعنى:"مَنَعْنَاكُم مِنه لإذَايَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فجعل المنع من الدخول بغير إذْنٍ وَالْمُقَامَ بعد كمال المقصود مُحَرَّمًا فِعلُهُ، لإذَايَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -" [6] ، ولكن لشدّة حيائه - صلى الله عليه وسلم - كان يكره أن ينهاهم أو يخرجهم من بيته، ولهذا نهى الله - جل جلاله - عن ذلك، وعلَّمهم الأدب في دخول بيوته - صلى الله عليه وسلم -.
فلم يكن المقصود من الدخول بغير إذن والاستئناس للحديث إيذاء الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أو مضايقته، وإنّما هو جارٍ على ما كانوا يصنعون في ابتداء الإسلام، ولذلك امتثلوا الأمر، والتزموا الأدب في اللحظة الأولى التي استشعروا فيها أنهم أثقلوا على الرسول - صلى الله عليه وسلم -، بدليل ما رواه أنس بن مالك - رضي الله عنهم -
(1) ابن عاشور، التحرير والتنوير، 22/ 93
(2) ابن أبي حاتم،5/ 1669، ابن كثير، تفسير القرآن العظيم،1/ 142،2/ 4.
(3) انظر الشوكاني، فتح القدير،4/ 297 وقد ذكر أن (يؤذن) متضمن معنى الدعاء؛ أي: إلاّ أن يؤذن لكم مدعوّين إلى طعام.
(4) الزجاج، معاني القرآن، 4/ 235.
(5) ابن عطية، المحرر الوجيز،4/ 395، القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 14/ 144، الشوكاني، فتح القدير،4/ 298.
(6) ابن العربي، أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد (543هـ) أحكام القرآن، دار الفكر، بيروت،3/ 549.