وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا [الأحزاب: 53]
سبب نزول الآية الكريمة:
ورد في الصحيحين عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنهم - أنّه قَالَ:"لَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ دَعَا النَّاسَ، طَعِمُوا ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ، قَالَ: فَأَخَذَ كَأَنَّهُ يَتَهَيَّأُ لِلْقِيَامِ فَلَمْ يَقُومُوا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَامَ، فَلَمَّا قَامَ قَامَ مَنْ قَامَ مَعَهُ مِنْ النَّاسِ وَبَقِيَ ثَلاثَةٌ، وَإِنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - جَاءَ لِيَدْخُلَ فَإِذَا الْقَوْمُ جُلُوسٌ، ثُمَّ إِنَّهُمْ قَامُوا فَانْطَلَقُوا، قَالَ: فَجِئْتُ فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُمْ قَدْ انْطَلَقُوا، فَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ، فَذَهَبْتُ أَدْخُلُ فَأَرْخَى الْحِجَابَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ} إِلَى قَوْلِهِ: {إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا} " [1] .
وورد في الصحيح عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنهم - أنّه قَالَ:"قَالَ عُمَرُ - رضي الله عنهم: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْحِجَابِ" [2] .
وليس بين الروايتين تعارض لجواز الجمع بينهما، قال الحافظ ابن حجر:"وَيُمْكِن الجَمْع بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ قَبلَ قِصَّة زَيْنَب، فَلِقُرْبِهِ مِنهَا أَطْلَقْت نُزُول الحِجَاب بِهَذَا السَّبَب، وَلا مَانِع مِنْ تَعَدُّد الأَسْبَاب" [3] .
وذُكِرَ أن قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا} نزل بسبب رجل قَالَ: لَوْ قُبِضَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لَتَزَوَّجْت بعض نسائه، وقيل: القائل هو طلحة بن عبيد الله - رضي الله عنهم - [4] ، لكنَّ هذا ـ كما قال الماتريدي ـ"قبيح، ولا يُحْتمل أنْ يكون أحدٌ مِنَ الصحابة يقول ذلك، أو واحد ممن صفا إيمانه، وحَسُنَ إسلامُه، يَخطُرُ بباله ذلك، إلا أن يكون منافقًا" [5] ، فهو يتعارض مع جلال وقَدْر هذا الصحابي - رضي الله عنهم -، وفيه اتهام وإساءة له، والواجب أن يُحسَن الظنُّ به وبغيره من الصحابة - رضي الله عنهم -، ويُجلّوا عن مثله.
وقد أحسن ابن عاشور إذ قال:"لا شك أنه من موضوعات الذين يطعنون في طلحة بن عبيد الله - رضي الله عنهم -، وهذه الأخبار واهية الأسانيد ودلائل الوضع واضحة فإنَّ طلحة إنْ كان قال ذلك بلسانه لم يكن ليخفى على الناس فكيف يتفرد بروايته من انفرد؟ وإنْ كان خطر ذلك في نفسه ولم يتكلم به فمن ذا الذي اطَّلع على ما في قلبه؟ وليس بمتعين أن يكون لنزول هذه الآية سبب، فإنْ كان لها"
(1) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: {لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم .. } ، 4/ 1799، كتاب الاستئذان، باب من قام من مجلسه أو بيته .. (5916) ،5/ 2313، صحيح مسلم، كتاب النكاح، باب زواج زينب بنت جحش ... ،2/ 1046.
(2) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: {لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم .. } ، 4/ 1799.
(3) ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار المعرفة، بيروت، 1959م،8/ 531.
(4) السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن أبي بكر، لباب النقول في أسباب النزول، دار الكتب العلمية، بيروت، 163.
(5) الماتريدي، تأويلات أهل السنة، 4/ 131.