الصفحة 19 من 569

خصائصها، فمنهم من صار إِلى أَعلاها، ومنهم من صار إِلى أَدناها ومنهم من أَخذ بحظٍّ بين بين، بيد انَّهم اشتركوا في قدر أَصابوه بفضلٍ من الله ونعمةٍ.

وأجلُّ هذه المواهب وأَشرفها قدراً موهبة العلم، التي من أُتِيَها فقد أُوتي حَظَّاً حناً، ومن حُرِمَها فقد أَناخ طَفَلٍ من السوءِ، لا ينقى منه صدرُه، ولا تبرأُ منه دِرّةُ نفسه، إلا إِن هو عطف قَلبه على هذه الموهبة، فكان له منها نصيب. ولا يُحرص، وما كان ينبغي أَن يُسعى إِلى هذه الموهبة، إِلا لكي يقيم الإِنسانُ نفسه على صواب الأَمر أَو أَمرِ الصواب.

وكان طائفة ممن أَصابوا من هذه الموهبة، أَنالتهم هِمَّتُهم شيئاً من الوُسع، فكانت لهم تواليفُ حسنةٌ، أَفرغوا سطورها بمداد أَقلامهم على صحائف، ازدانت وزهَتْ بهم على الدهر، رضوا بعلمهم، ورضي علمهم عنهم، فكانوا على مآدبه العامرة بأَطايبه، وحَفُّوا بها على أَحسن وتيرة، وأَقوى جبيرة، وتداولت القرونُ تواليفهم، وحنت لهم الأَجيال هاماتها، وانتهت إِليهم العقول بصادرها وواردها، وليس يشكُّ في أَن هذه التواليف ما كان يُكْتب لها البقاءُ والخلود من بعد موتِ مؤَلِّفيها وناظمي عقودها، وينقطع العلماءُ وطلاب العلم إِليها، ويقبلون بنهمٍ شديدٍ على قراءَتها، والإِفَادةِ من فصولها وأَبوابها، لو لم يكن الإِخلاص هو وطاءَها وسقفها، ودثارها وشعارها. وهذا ـ ولعمر الحق ـ هو البرهان القائم أَبدا الدَّهر على هذا الدعوى الشاهدةِ بنفسها على نَفسها. وكان طائفة ممن خلفوا هؤُلاءِ العظماءَ، قد أَخذوا بحظٍّ على نحوٍ مما كان منهم، فأَخلصوا النية، وعقدوا العزم، وترسموا الخطى، فأَنالتهم أَقلامُهم ما أَنالت من قَبْلَهم أَقلامُهم، فتشابهت كتبهم، وتماثلت رسائِلهم، وتحاكت تواليفُهم، واَمدُّوا الماضي بأَن جعلوا الحاضر جزءاً منه في سجلِّ ثقافة الأُمة وحاضرها، وهيَّأُوا المستقبل على وصله بحاضرهم، فأَغْنَوْه بالرجاءِ الضاهي الزاهر، فانعقدت آصرة الأزمنةِ الثلاثة على أَشرف وأَوثق ما يكون الانعقاد، وكانت جهودُ هذه الطائفة ردءاً مباركاً، ونصرةً طيِّبةً لما أَنزل الله على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -، على تفاوتٍ فيما بينها، فمنها الأَعلى، ومنها الأدنى، ومنها الأَوسط، كما أَلمحنا إِلى هذا من قبل. والعلم الصحيحُ، النَّقيُّ، النظيفُ، هو من صنائع المعروف، الواقية مصارعَ السُّوءِ، وكتابُ صاحبنا هذا، وأَخينا الفاضل (أَبو أَنس) من تلكم الصنائع، فالجهد المبذول فيه من حسن الانتقاءِ والاختيار، وأَناقة الإِخراج والتبويب، والحرص على تدوين النصوص الثابتة، وعزوها إِلى مظانِّها ومواطنها، وبيان معاني الغريب والكشف عنها، وقفو الطرائق المتَّبعة المعهودة عند الأَولين السابقين في ذلك، وغيره من محاسن التاليف والجمع، كلُّ أُولئك يحقق المرادات الطيَّبة من هذا المؤَلَّفِ الجيِّد النافع، التي تظهر بجلاءٍ ووضوح فيه من غير إِطالةِ نظرٍ، ولا إِشقاقٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت