الصفحة 18 من 569

أَو كثير، إِلا بما يكون من غفلةٍ عن الإِخلاص فيه، أَو مجانبةٍ عن الصِّدق في أَدائه والقيام بحقه، فكان لكلِّ رسالة منها بسط في النصوص التي أَوردها هذا المُؤَلِّف أَو ذاك، أَو إِقلالٌ فيها باختيار الجوامع الواسعة منها، فان هذا الكتاب، الذي تخيَّر نصوصه، وجمعها، وأَلَّف بينها، حتى غدا على ما تنعم به عيون القرَّاءِ بظاهر أَلفاظه ومبانيه، وبباطن فحواه ومعانيه، صورةً علميَّة كاملةً، كاشفةً المرادات التي جيئَت إِليها هذه النصوص، أو جيءَ بها هي إِلى النصوص، على نحوٍ لم يُسبق إِليه صاحبنا أبو أَنس (أورثه الله الحُسنّى) ، أستطيع القول معه، إنه أَوفى على الغاية، وبلغ به القصد، وأَنال القارئَ وداداً موصولاً، وحبَّاً مأمولاً، بينه وبين كتابه هذا، فيأخذ النصَّ الواحد أَو النصوص على عشوائيَّة مأمونة، وعلى ثقةٍ مطمأَنَّةٍ، إِذ قد أَوثقها بحبل التخريج الأَمين، ووصلها برُمَّةِ العزوِ الصَّادق الدقيق، من غير إيهام بنسبةِ شيءٍ منه له، أَو إِلباسٍ بفعلٍ مشابٍ بكذب، أَو استراق الخطى بسراويل فضفاضة مسروقة، أو عباءَاتٍ واسعة مغصوبة، أو ملءِ بطنه بفرث منهوب، إِلى غير هذه الصنائع الفاحشة التي إِن دلَّت فإنَّما تدل على أَخلاق مجلوبة من مستنقعاتٍ آسنةٍ، والعلم إِن لم يكن الورع يسانده، يسدِّده إِلى العمل به، ويرخي عليه ثوبه، ويهديه إِلى صوابه، فهو دليلٌ إلى كل الرذائل، وسبيل تفضي إلى كل ما يزهِّد في الفضائل، ولقد علمت الأنس والجنُّ، أَن نابتةَ سوءٍ مُنتنةً، أَظلَّت بسواد حميمها طائفةً من المتكسبين بالعلم، ظنت أن لها من سرائرها المعتمه، ما يستر ظاهرها المتعثرَ بالكسب الحرام، الوالغِ في أُجاج الشِّرب الضَّاحي، وغشَّاه بكلاَّت الهوان الصفيق، وصار بصاحبه كالجُعل المنفوخ، يدفع النتن بخرطومه المقطوع، صنيع فريق من أُولئَك الذين أَخزاهم الله بنوال الحرام، ولم يحرصوا على شيءٍ من العلم إِلا إِن كان يمدُّهم بمال، قائلين بأَلسنتهم، أَين غيرنا منا؟ في مباهاة مجلوبةٍ من وراءِ ستار، إِن بدا منه فضل فإِنه عليهم عار وشنار، ومن أَراد أَن يعلم شيئًا من سيرة أَقلامهم فليسأَل دار عمار، وأَدراج مكتبة المنار، ومن كان يدخل عليهم دورهم للعمل معهم تحت وطأَة الحاجة الراغمة، ليل نهار!! فتسمع منهم العجب العجاب، والدليل لذلك، الحجة الفاضحة عليهم التي صارت عند جلِّ أصحاب المنهج السَّلفي تقدَّم على صريح السُّنة والكتاب: (هي إِخبارات الثقات) !!! وواحدٌ من أولئك الذين كانوا يدخلون عليهم من كل باب، صاحبنا هذا صاحب هذا الكتاب: أَبو أَنس، الضحيَّةُ الواترة، وإِن سأَلتموه عن أَمره، فلا تسأَلوه من وراءِ حجاب، فهو ليس من ربَّات الحجال والخضاب! حتى يكون الخبرُ أَصدق وأَرضى من مذاقِ الحلاب.

وبعد: فقد أَودعَ الله سبحانه أَرضَ الإسلام مواهبَ كثيرةً أَحاطت بكثير من الناس، ومنحتهم من ذاتها، بما لا قبل للكثيرين من تحمُّل بعضٍ منها، وأَرادتهم على سواءِ الأَمر مما أَودعها الله سبحانه من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت