مقدمة الشيخ محمد إبراهيم شقرة
حفظه الله تعالى
الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
أَما بعد: فقد جلَّت الأُمَّة في أَعين أنفسها، وعَظُمت أقدارُها في ذاتها، ومضت على مدرجةِ الزمن، تدثِّرُ معالم الخَيرْ وأَسبابه بأَدثرةِ الحفظ الممنَّعة، كي تصون للعالم حقوقه التي أَوجب الله علينا القيام بها، فتبقى ممسكةً بحبل النُّور، الذي تهتدي به إِلى مقاصدِ الحياة المطمئنَّة الوادعة، في غير جفاءٍ ولا جَنَفٍ،
وما كان لهذه الأمَّة أَن تختار لنفسها حبلاً غيره، فهو موثوقٌ إلى السماءِ، وحتى لو أَنَّها كانت قادرةً على الاختيار، وقد شطَّ بالأُمَّة اليوم النَّوى، فَباعدت نفسها عنه فأَضَّلتها الأَهواءُ، وساقتها إلى مراتع الهلكة، وهي تدري أَنَّها تدري أَنَّ هلاكها في ما صنعت، فليس لها ذلك، لأنَّه هو حبلُ الوحي الأَمين الذي لا يضلُّ الممسكون ولا يشقون.
وكان حقاً على الأُمَّة أَن تأويَ دائماً إِلى ما حفظ الله سبحانه، فتحفظ به وجودَها على الأَرض حتى تقوم الساعة، ولم تجدْ مشقَّة ولاعنَتاً في حفظ الوحي الأَول.
أما الوحي الثاني وهو السُّنة، فقد لقيت الأُمة في حفظه الكثير من المشقة والعنت، إِذ عرضت له عوارض السُوءِ إِلى أَن أَذن الله سبحانه له أَن يستقر على القواعدِ والأُصول التي اصطلح عليها علماءُ الرواية والدراية، فكانت هي الحوافظَ الأَمينة، والعيْبات الواقية، للإِخبارات، والكلمات، النبويَّة، التي أَهبطها الله سبحانه على نبيِّه محمد عليه الصلاة والسلام، وبقيت من بعدُ هي الردءَ القائمَ من وراءِ ظهر القرآن، بحروفها ومعانيها، لا تتقدَّم عليه إِلا تمهيداً بتاويل لآية أَو بياناً لمشكلٍ في أُخرى، أَو تقييداً لمطلق في ثالثةٍ، أو تخصيصاً لعامٍ في رابعةٍ، أو إِحداثاً لحكمٍ جديدٍ في خامسةٍ، أَراد الله سبحانه أَن يتفضَّلَ به تكرِمةً لنبيه عليه الصلاة والسلام فيكون بياناً جلياً لقوله:"أَلا وإِنِّي أُوتيت الكتاب ومثله معه"، فتكون السُّنَّة طائفةً على الناس بنصوصها وكلماتها، في كل الأَعصار والأَمصار، أَنَّها حجَّةٌ باقيةٌ ثابتةٌ مكلؤَةٌ، تقف إِلى جانب الصِّنوِ الأعلى، كتابِ الله سبحانه.
وإذا كانت رسائلُ قد أُلِّفت قديماً في الإِبانة عن فضلِ الأَعمال الصالحةٍ بتركٍ أَو بفعلٍ، مما أَنعم الله على أُمَّةِ الأسلام لتكون بها خير أُمةٍ أُخرجت للناس، لا تخاف انتقاصاً في أَجرٍ بفعلٍ قليلٍ