الصفحة 6 من 149

ومن أعظم أسرار السيرة النبوية أن لها أبلغ الأثر في تقويم السلوك، وتربية العواطف الشريفة؛ فإنها المرآة التي تنعكس منها تلك الصورة التي تعد _بحقٍّ_ أرقى صورة للحياة البشرية؛ حيث كان النبي محمد _عليه الصلاة والسلام_ يرسم بأقواله، وأعماله، وسائر تصرفاته _ القدوة العليا التي يجب أن تهدف إليها جهود البشر في سيرهم نحو الكمال المنشود.

إن ثلاثة وعشرين عامًا هي جملة السنين التي عاشها محمد"نبيًا رسولًا قد لا تكون في مقياس الزمن شيئًا مذكورًا إذا قيست إلى ما قضته البشرية من حقب متطاولة، وأجيال متعاقبة."

ولكنها في مجال التربية، والإصلاح، ورسم قواعد السلوك البشري الفاضل، ووضع المعالم، والحدود لحياة الإنسان كما يحب رب الإنسان، وبما يحقق الغاية من وجوده، ويكفل لها الحياة السعيدة الكريمة _ لأرجح في الميزان من كل ما غَبَر من حقب وأجيال؛ ذلك أن بركات هذا النبي لا تكاد تحصر ولا تحصى [1] .

وإن منها لبركة الوقت التي نال أمته منها أوفر الحظ والنصيب؛ فنالت من الأعمال، والعلوم، والأخلاق، والحكمة _في وقت قصير_ ما لم تنله أمة من الأمم.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ×: =فكل من استقرأ أحوال العالم وجد المسلمين أحدَّ وأسدَّ عقلًا، وأنهم ينالون من حقائق العلوم والأعمال أضعاف ما يناله غيرهم في قرون وأجيال+ [2] .

(1) _ انظر مقدمة الدكتور محمد خليل هراس على الخصائص الكبرى للسيوطي 1/3_4.

(2) _ نقض المنطق لابن تيمية ص7_8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت