أما اصطفاء الله لبني هاشم فقد كان لما امتازوا به من الفضائل والمكارم؛ فكانوا أصلح الناس عند الفتن، وخيرهم لمسكين ويتيم.
وإنما أطلق لقب هاشم على عمْرو بن عبد مناف؛ لأنه أول من هشم الثريد _وهو طعام لذيذ_ للذين أصابهم القحط، وكان يَشْبَعُ منه كلَّ عامٍ أهلُ الموسم كافة، ومائدتُه منصوبةٌ لا ترفع في السراء ولا في الضراء.
وزاد على هاشم ولَدُه عبدالمطلب جدُّ الرسول"فكان يطعم الوحش، وطير السماء، وكان أول من تعبد بغار حراء، وروي أنه حرم الخمر على نفسه."
وبالجملة: فقد امتاز آل النبي"على سائر قومه بالأخلاق العلية، والفواضل العملية، والفضائل النفسية، ثم اصطفى الله محمدًا"من بني هاشم؛ فكان خير ولد آدم، وسيدهم [1] .
4_ بلوغه"الذروة في مكارم الأخلاق: فقد جبله الله _عز وجل_ على كريم الخلال، وحميد الخصال، فكان قبل النبوة أرقى قومه، بل أرقى البشرية في زكاء نفسه، وسلامة فطرته، وحسن خلقه."
نشأ يتيمًا شريفًا، وشبَّ فقيرًا عفيفًا، ثم تزوج محبًا لزوجته مخلصًا لها.
لم يتولَّ هو ولا والده شيئًا من أعمال قريش في دينها ولا دنياها، ولا كان يعبد عبادتهم، ولا يحضر سامرهم، ولا ندواتهم، ولم يُؤْثَرْ عنه قول ولا عمل يدل على حبِّ الرياسة، أو التطلع إليها.
وكان يُعرف بالتزام الصدق، والأمانة، وعلو الآداب؛ فبذلك كان له المقام الأرفع قبل النبوة؛ حتى لقبوه بالأمين.
وعلى هذه الحال كان"حتى بلغ أشده، واستوى، وكملت في جسده الطاهر، ونفسه الزكية جميع القوى، ولا طمع في مال، ولا سمعة، ولا تطلع إلى جاه ولا شهرة، حتى أتاه الوحي من رب العالمين _كما سيأتي بيانه بعد قليل_ [2] ."
(1) _ انظر الفصول في سيرة الرسول لابن كثير ص5_7، وخلاصة السيرة النبوية ص10_11
(2) _ انظر خلاصة السيرة ص17_19.