فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 247

وكان العرب يفخرون بذكر أحبتهم في هذه اللحظات على نحو ما قال عنترة: ولقد ذكرتك والرماح نواهل منى وبيض الهند تقطر من دمى! وذكر الله أزكى وأشرف.. وفى الحروب الباردة ـ بتعبير أهل العصر ـ يحتاج المجاهدون إلى ذكر الله كما يحتاج المقاتلون سواء بسواء، فإن حماة العقائد المضطهدة والمبادئ المستضعفة تمر بهم أوقات مزعجة وأزمات شداد لا يحميهم فيها إلا ذكر الله والاعتماد عليه. وفى الأيام الأولى من جهاد الدعوة وتأدب المشركين يقول الله لنبيه: (واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا * رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا * واصبر على ما يقولون) . وأهل الحق يبدءون نصرته فرادى مستوحشين وسط مجموعات تضيق بهم، بل تضيق عليهم بحق الحياة. وإذا كان لهم في المستقبل أمل فهو الاستناد إلى الله والاستمداد منه. والواقع أن ثقتهم في أنفسهم لا تنبع من يومهم الراهن، وإنما تنبع من غد يسوقه الله لهم حافلا بالنصر، ولذلك فهم يذكرون ربهم ليمضوا في طريقهم: (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب) . ولما كانت الحياة يسرا وعسرا وحلوا ومرا فإن جماهير البشر لا تستغنى إبان متاعبها عن هذا الذكر الذى يعينها على اجتياز المضايق برجاء وقدرة. وفيمن تؤمل؟ إلا في الحى الذى لا يموت. بعد هذه النماذج المفردة لأحوال الذاكرين ينبغى التنبيه إلى أن الجماعة الإسلامية تبنى وجوديها المحلى والعالمى على ذكر الله، والشهادة بوحدانيته. فهى ليست جماعة تعتز بدم معين، أو يتعاون أبناؤها على تحصيل منافع معينة، لا.. إنها جماعة ربانية يعنيها ابتداء إقام الصلاة والهتاف باسم الله مع كل أذان، قبل طلوع الشمس وبعد الغروب. وجهادها الفذ هو لتأمين الطريق أمام كل راغب في عبادة ربه، يجعل هذه الحياة الدنيا مهادا لما بعدها من خلود طويل. ص _064

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت