إن الغفلة عن الله تبعها وعى للشهوات ويقظة لشتى المآرب الهابطة. ومن هنا انفرط العقد النفسى، وفشا التسيب الاجتماعى: ونشأت مع التقدم العلمى أهواء جامحة تتسم بالصفاقة والتبجح عرى الروح والجسد جميعا. وفى القرآن الكريم أمر بإكثار ذكر الله ، واستدامة هذا الذكر مع تجدد الزمان. يقول سبحانه وتعالى: (اذكروا الله ذكرا كثيرا * وسبحوه بكرة وأصيلا) . (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون * وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون) . وقد تأملت في هذه الأوامر، وعرفت حكمتها! إن الغرفة التى ينقطع عنها (تكييف) الهواء سرعان ما يغلبها الجو العام. والقلب الذى ينقطع عنه تيار الذكر سرعان ما تتسلل إليه الأحاسيس الرخيصة، وما دام لا يشتغل بالخير فستقتحمه الشرور. ومن هنا جاءت الوصية بالتذكر المستمر، التذكر الذى يشعر المرء فيه بالحاجة إلى الله والافتقار إلى إرشاده وتسديد خطاه، والخوف من أن يتركه الله وحده في هذه الحياة. والويل لمن حرم العناية العليا إنه يركض في الدنيا ركض الوحوش ثم يعود آخر الشوط صفر اليد، بل قد يكون مثخنا بالجراح مثقلا بالهزيمة. إن استكانة المرء إلى ربه ضمان نجاحه ونجاته، وذاك معنى قوله تبارك اسمه: (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين) . لكن ما معنى هذا الذكر؟ هل هو استغراق عقلى؟ أو سياحة نظرية؟ أو خلوة نفسية بعيدة عن الناس؟ أو مراحل من التأمل الذاتى المطلق؟ إن الإجابة على هذا السؤال لا نجىء بها من عند أنفسنا، وإنما نجىء بها من القرآن الكريم وسيرة النبى صلى الله عليه وسلم وسنته الشريفة. وسنرى أن المنشود سلوك ظاهر، وعمل بارز، ووجهة في الحياة تصبغ كل شىء بالربانية وتسوق الأحياء إلى ربهم سوقا رفيقا ساميا يرفض الدنايا ويؤثر الآخرة. ص _060