وإذا كان نفر من الناس يحيا على غير ما يدعو، فإن حياة محمد ـ صلى الله عيه وسلم ـ كانت قرآنا متحركا على دروب الأرض كلها. كان خلقه القرآن، والخلق ـ كما عرف العلماء ـ هو الملكة النفسية والعادات المطردة الثابتة. إن سنته هى أعماله وأقواله، هى ترجمة القرآن من المعنى إلى الواقع، فكيف يجازف بعض الحمقى فينكر السنة لأن حديثا دس عليها أو لأن حديثا لم يعجبه؟ وراء الخطوات المحسوبة بدقة، والكلمات المرسلة بحكمة كان محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتحرك ويتكلم وأشعة القرآن تعمر قلبه ولبه. قد يرى عظمة القدرة العليا أمامه في الصحراء المبسوطة والآكام الشامخة، ولكنه عن طريق القرآن وعلومه كان يرى هذه العظمة في السحب المركومة فوق المحيطات والكواكب المتهادية في آفاق السموات. قد يعيش مع الناست في مجالسهم ويستمع إلى سمرهم وشغلهم، ولكنه ببصيرته النافذة يعيش في جو آخر يرى فيه الجنة ونعيمها حتى ليكاد يقطف من ثمارها وكرومها، ويرى فيه النار وأهوالها حتى ليكاد يتقهقر أمام شعوره بويلاتها. ما أكثر حديث القرآن عن مشاهد البعث والجزاء. مع التخلق بالقرآن كان الحس بتاريخ الماضين يغالبه، فقد رأى في قصص القرآن أن مجتمعا فاسدا أودت به الرياح العاصفة، فهو يحس بشىء من القلق عندما تهب الريح على نحو ما. من تخطيط القرآن الكريم لكل شىء في الحياة ومن بيانه المضىء في كل قضية تفرعت السنة تفرع الأنهار من منبعها الفوار، وما يعرف ذلك إلا العلماء الراسخون لا السطحيون المتفيهقون. قال محدثى: إنكم معشر المسلمين تحبون محمدا حبا جارفا، وقد استمعت أخيرا إلى أناس ينكرون السنة النبوية، وقد أومأت أنت على عجل إلى ارتباط السنة بالقرآن نفسه في نبوة محمد. وأيا ما كان الأمر فلا ريب أن محمدا إنسان عظيم، وليس كغيره من الناس. قلت: ما تعجبنى هذه اللهجة! والقول بأن محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنسان عظيم لا يزيده ولا ينقصه. الأمر عندنا أكبر من ذلك!