إن الإنجليز يلتزمون السير شمالا وغيرهم يلتزم السير يمينا وهؤلاء وأولئك لا يوصفون بحمق ولا ذكاء. فإذا وضع الدين صور العبادات ركوعا وسجودا في الصلاة، وطوافا بالبيت العتيق في الحج، وامتناعا عن الشهوات من الفجر إلى الغروب في الصوم، فلا توصف هذه العبادات لأنها مخالفة للعقل. وقد وضع الدين ضوابط كثيرة لشرائعه ولم يترك هذه الأوضاع لكل ذوق حتى لا تشجع الفوضى. وقريب من ذلك موقف الدين من الغرائز الإنسانية، فإن قيام الحياة يعتمد على نشاط هذه الغرائز، إن قتلها خطأ، وتركها حبلها على غاربها خطأ. والمرء يحتاج إلى الضرورات التى تصونه والمرفهات التى تنعمه، والإسلام يضمن ذلك كله له. فإذا جارت هذه الغرائز أو طغت كسر الدين حدتها وقمع طغواها، وذاك سر التذكير الطويل بالله ولقائه الحتم. قال لى محدثى: فيما تقول أشياء موضع تسليم، فهل ذاك سر حبك لمحمد وأتباعك له ؟ قلت: ذاك جزء من أسباب تشبثى برسالته وتعلقى بشخصه. أما الجزء الأكبر فيعود إلى أسباب أخرى إن القرآن الكريم هو الكتاب الذى نزل على قلبه، وشرح دعوته وأيد نبوته. ترى لو وجدت هذا القرآن كله في فلاة من الأرض، أكنت أستطيع الانتفاع به دون أن أجلس بين يدى محمد عليه الصلاة والسلام، واستمع إلى شرحه له، وأتابع تأثره به؟ ما أظن! سيعطينى القرآن جملة الحقائق العلمية والنفسية للرسالة الخاتمة، ولكن محمدا ـ صلى الله عيه وسلم ـ سيعطينى المنهج العلمى، والأسوة الحية والتطبيق الحاسم، والتفسير الذى يضع النقط على الحروف كما يقولون. ومن ثم فإنك لن تعرف الإسلام معرفة صحيحة واضحة. إذا جهلت سيرة محمد عليه الصلاة والسلام، ورفضت سنته التى نفذ بها توجيهات القرآن القريبة والبعيدة. ثم أى عظيم في الأولين والآخرين قرر الناس تجاهل حياته واطراح كلماته. ص _056