الكفر ليس إلا لونا من الحيوانية الهابطة تقدر على التقليد والتبعية فقط، أما الإيمان فمعناه دوران الأجهزة الفطرية في الكيان الإنسانى على نحو صحيح. وعندما ينضج العقل ويرزق بالذكاء الحاد، فإنه يتحول وسيلة جيدة لخدمة ما يريد من الأغراض ؟ هناك أذكياء أشرار، هناك من يسخر علمه الواسع لبلوغ أردأ الغايات، وهنا يجىء دور القلب. إن القلب السليم أساس التدين المقبول ولباب التقوى. والإنسانية تبرز في أرقى صورها وأزكاها مع نبل القصد وحسن النية. والقلب المشرق يشق طريقه وسط الظلمات والأشواك وقلما يخطى هدفه. وقد جاء رجل إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسأله: أخبرنى ما يحل لى وما يحرم على؟ فقال له:"البر ما سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب ، والإثم ما لم تسكن إليه النفس، ولم يطمئن إليه القلب وإن أفتاك المفتون". إن هذا التوجيه النبوى يخلق الإنسانية الرفيعة خلقا، ويجعل المرء يضاء من الداخل قبل كل شىء، دون انتظار للتعلات والمعاذير، ودون رهبة من القوانين و الأقاويل. قال محدثى: موعظة حسنة لا بأس من قبولها! ولكن ما صلة الإنسانية بصور العبادات التى يجىء بها الدين، أو بتعبير أصرح: ما صلة العقل بهذه المراسم؟ وأنت تشيد به. قلت له: إننا نكتب لغتنا العربية من اليمين إلى اليسار، والأوروبيون يكتبون لغاتهم من اليسار إلى اليمين فما صلة العقل بذلك؟ قال: هذه أشياء تواضع الناس عليها ولا صلة للعقل بها. قلت: يكفينى ذلك في إجابتك. هناك أشياء يرفضها العقل حتما، وهذه يستحيل أن تكون دينا، ولا حقائق ولا مراسم، وهناك أشياء لا دخل للعقل فيها لا سلبا ولا إيجابا. ص _055