أخرى خبيثة أو أنه شعار لجأ إليه الضائقون بوجود الله، أو المعترفون بوجود ألوهيات مفتعلة، كى ينشر ما لديهم وهم آمنون. وقد شعرنا نحن المسلمين أن الإنسانية تتجزأ عندما يكون النزاع بين اليهود والعرب، وأنها تتأخر عندما يكون الخصام بين البيض والسود وأن صوتها يعلو بل يهدر بالفرح عند جيشان الغرائز الجنسية، والنزعات العرقية، وأن هذا الصوت يحتبس ويتلاشى عند ذكر الآخرة وما وراءها. إن موقف الإنسانية المعاصرة من الله الواحد ومن حقوقه على خلقه غريب. إنه لا بأس عندها من التبشير بإله مزدوج أو مثلث أو مربع (!) أما الدعوة إلى إله واحد فشىء منكر. بل قد يكون التعطيل المحض أفضل عند سدنة هذه الإنسانية من التوحيد النقى الذى شرحه محمد صلى الله عليه وسلم ، أية إنسانية هذه؟ إن مخلب الوحش لن يتحول إلى يد رقيقة آسية لأنه وضع في قفاز من الحرير. قاطعنى محدثى وقد ضاق بما سمع وقال: ما هى معالم الإنسانية التى تتخيلها، والتى قلت إن محمدا عرفك بها... ودعنى من هجائك للمدنية المعاصرة؟ أجبت غير ضائق: اسمع!، إن أشرف ما في الإنسان عقله وقلبه ونحن عندما نتبع محمدا عليه الصلاة والسلام نصطلح مع إنسانية لا تضع على العقل قيدا، ولا تدع في القلب عوجا، ذاك كلام مجمل يحتاج إلى تفصيل. إن الإنسانية الصحيحة ترفض جمود الفكر، وانسداد الآفاق أمامه وترفض عجز الحواس البشرية عن أن تكون أدوات لاستبانة الحقائق وإصدار الأحكام الصحيحة. والإسلام يرى هذا القصور ذنبا جديرا بالعقاب: (وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير * فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير) . وفى وصف أصحاب النار يقول الله تعالى عن سبب تعذيبهم: (ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون) . فهؤلاء لهم حواس، ولكنهم عطلوها، ولهم عقل ولكنهم أماتوه. والدين الحق تشغيل لمواهب الإنسان الرفيعة بحيث ينتفى من حياته الظن والتوهم، ويبقى اليقين وحده. ص _054