فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 247

ويفر كثيرون من الإجابة على هذا السؤال لأن سكرة الدنيا تشغلهم عنه، أو لأن خطورة المصير تفزعهم فهم يفضلون عدم رؤيته كما تفضل النعامة دفن رأسها في الثرى حتى لا ترى الصياد المقبل. وحديث اليهود عن الآخرة غامض ونادر، بل لا ذكر له في أسفار موسى الخمسة (التوراة) عندهم! وحديث النصارى عن الآخرة روحانى محدود الصورة، أما حديث القرآن فهو عن عالم مكتمل الوعى محسوس الثواب والعقاب، تسمع فيه دوى الحوار بين السعداء والأشقياء كما تلمح في استيعاب المساءلة لكل ما يقع من المرء في دنياه. هناك أجل لكل فرد، ما ينكر ذلك مؤمن ولا ملحد! فأما الملحدون فيرون ذلك الأجل ختام الحياة كلها، وأما المؤمنون فيرون ذلك بدء الحياة الأبدية الصحيحة. وستبقى الدنيا تركل وفودها لحظة إلى العالم الآخر حتى ينتهى أجلها هى الأخرى، وهنا تلتقى القرون كلها لتتوزع على النعيم والجحيم، وتكتمل نشأة الدار الآخرة. هناك من يرفض ذلك التصور كله، ولا يدرى من أين أتى ولا من أتى به؟ وتصوير القرآن لذلك الإنسان جدير بالتأمل: (قال قائل منهم إني كان لي قرين * يقول أئنك لمن المصدقين * أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون * قال هل أنتم مطلعون * فاطلع فرآه في سواء الجحيم * قال تالله إن كدت لتردين * ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين) . إن هناك ميثاقا غير مكتوب بين المذاهب والمبادئ المنتشرة في عالمنا المعاصر، ألا تذكر الدار الآخرة! وأن يقتضب الحديث عنها إذا عرضت ضرورة لهذا الحديث الكئيب! وهذا موقف يستحق النظر. إننى أؤيد ذلك عندما يكون الدين تعويقا لحركة الأحياء، وكسرا لهمم العاملين المنتجين، ومن أهل الدين من يريد بذكر الموت إطفاء منارات الحضارة، وتجفيف منابع الأمل، وهؤلاء يسيئون إلى الدين والدنيا معا. لقد أكثر القرآن الكريم من الحديث عن الدار الآخرة ومشاهد البعث والجزاء، والغرض من ذلك لا يعدو تذكير الغافلين وترشيد المسعورين حتى يدخلوا حساب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت