تنبيه: ومما تحسن الإشارة إليه أن الذهاب إلى السحرة ونحوهم لا يقتصر على مجرد الإتيان إليهم ومقابلتهم وجهًا لوجه، وإنما يتعدى ذلك إلى أمور أخرى قد لا تَقِلُّ عن المقابلةِ الشخصيةِ، والسؤالِ؛ حيث إن السحرة والمشعوذين والكهان في الأزمان الماضية لا يظهرون أمام الناس، بل يختفون في سراديب، وأماكن لا يعلم عنهم إلا القليل.
أما في هذا العصر فقد تعددت أساليبهم، وصاروا يجاهرون بسوء صنيعهم؛ حيث أَشْرَع لهم الإعلامُ أبوابَه؛ فصاروا يظهرون على أعمدة الصحف، وفي مواقع الإنترنت، وعبر القنوات الفضائية في برامج مباشرة، وغير مباشرة، وصار المتابعون لهم يسألونهم، ويحاورونهم؛ فصارت الفتنة بهم أشد وأنكى من ذي قبل؛ لذا فإن الحكم في مثل هذه الأحوال يأخذ حكم الذهاب إليهم، وسؤالهم، وتصديقهم؛ لأن علَّة النهي عن الإتيان متحققة في مثل الأحوال المذكورة، بل ربما تكون الأساليب الأخيرة أعظم وأشد خطرًا.
قد يقال: ما المحذور من إتيان السحرة، والكهان ونحوهم، وما المانع من محادثتهم وسؤالهم إذا كان الآتي والسائل لا يعتقد صدقهم، ولا يرى أنهم يعلمون الغيب، بل يرى سوء صنيعهم، وقباحة فعلهم؟
والجواب أن يقال ما يلي:
1_ أن التحريم حاصل بنهي النبي"عن إتيانهم، وسؤالهم."
2_ أن ذلك اعتراف بصنيعهم، ومدعاة للتعلق بهم، أو وسيلة إلى ذلك.
3_ أن السحرة والكهان ونحوهم دعاة الشياطين، الناطقون بألسنتهم. [1]
4_ أن الشُّبَه خطافة، والفتنة غير مأمونة لمن سعى إليها، واقترب من حماها.
قال النووي×: =قال العلماء: إنما نهي عن إتيان الكهان؛ لأنهم يتكلمون في مغيبات قد يصادف بعضها الإصابة، فيخاف الفتنة على الإنسان، بسبب ذلك؛ لأنهم يلبسون على الناس كثيرًا من أمر الشرائع وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن إتيان الكهان وتصديقهم+. [2]
(1) _ انظر السحر بين الحقيقة والخيال ص178.
(2) _ شرح النووي على صحيح مسلم 5/22.