(وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) وإبطال الأعمال يكون: بالردة، ويكون بالرياء، ويكون بالمنّ، فهو يشمل النهي عن كل سبب من الأسباب التي توصل إلى بطلان الأعمال كائنًا ما كان من غير تخصيص بنوع معين.
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) هذه الآية تتضمن أن من مات على الكفر لن يغفر الله له، لأن النار وجبت له بموته على الكفر، كما جاء موضحًا في آيات كثيرة.
كقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) .
وقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) .
وقال تعالى (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) .
وقال تعالى (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) .
(فَلا تَهِنُوا) أي: لا تضعفوا عن الأعداء.
(وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ) أي: إلى المهادنة والمسالمة، ووضع القتال بينكم وبين الكفار في حال قوتكم وكثرة عددكم وعُدَدِكم.
(وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) أي: في حال علوكم على عدوكم.
(وَاللَّهُ مَعَكُمْ) هذه بشارة عظيمة بالنصر والظفر على الأعداء، لأن من كان الله معه هو الأعلى وهو الغالب، وهو القاهر المنصور الموعود بالثواب.
ومما يدل على ذلك قوله تعالى (وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) وقوله تعالى (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) .
-واعلم أنه لا معارضة بين هذه الآية وبين آية الأنفال (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا) حتى يقال: إن إحداهما ناسخة للأخرى، بل هما محكمتان، وكل واحدة منزلة على حال غير الحال التي نزلت عليه الأخرى:
فالنهي في هذه الآية: إنما هو عن الابتداء بطلب السلم، والأمر بالجنوح إلى السلم في آية الأنفال، قيل: محله فيما إذا ابتدأ الكفار بطلب السلم والجنوح لها، وقيل: إذا كان الكفار فيهم قوة وكثرة بالنسبة إلى جميع المسلمين، ورأى الإمام في المعاهدة والمهادنة مصلحة، فله أن يفعل ذلك، كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين صده كفار قريش عن مكة، ودعوه إلى الصلح ووضع الحرب بينهم وبينه عشر سنوات، فأجابهم إلى ذلك.
(وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) أي: ولن يحبطها ويسلبكم إياها، بل يوفيكم ثوابها ولا ينقصكم منها شيئًا.
الفوائد:
1 -غنى الله عن كل أحد.
2 -تهديد الكفار وأن الله لا يعجزه شيء.
3 -تسلية للمؤمنين بأن الله قادر على إهلاك الكفار، وناصر أولياءه.