-فإن قيل: قد ثبت أن الله يؤذَى، كما في قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا) وقال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث القدسي (قال تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر) متفق عليه. فالله يؤذى: فيصفونه بما هو منزه عنه، وما لا يليق به، ومن ذلك جعل الشركاء له، ووصفه بالنقص كالفقر والتعب؟
فالجواب: لا يلزم من الأذية الضرر، فقد يتأذى الإنسان بالشيء ولا يتضرر به، أرأيت لو صلى إلى جانبك أو جلس إلى جانبك رجل قد أكل بصلًا أو ثومًا فإنك تتأذى برائحته ولكن لا تتضرر، فلا يلزم من الأذية الضرر، وحينئذ لا معارضة بين نفي الضرر عن الله وإثبات الأذية.
(وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ) لأنهم كفار، والكافر لا يقبل عمله، لأن من شرط قبول العمل الإيمان كما قال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) .
-فالكفر محبط للعمل.
كما قال تعالى (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) .
وقال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا) .
وقال تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ) .
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) صدر سبحانه هذا الحكم بهذا النداء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) وذلك لأمور ثلاثة: الأول: أن تصدير الحكم بهذا النداء يدل على العناية به، الثاني: أن ما يذكر فيه من مقتضيات الإيمان، فمن قام به فهو من إيمانه، الثالث: أن عدم القيام به نقص في الإيمان، لأنك إذا قلت للمؤمن: يا مؤمن افعل كذا ولم يفعل، فإنه لابد أن ينقص إيمانه.
-قوله تعالى (آمَنُوا) أي: آمنوا بالله وبما يجب الإيمان به، وأركان الإيمان ستة: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
(أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) الطاعة: موافقة الأمر، وذلك بفعل الأمر، وترك المحظور، ولهذا أخذتْ من المطاوعة وهي الانقياد.
-قوله تعالى (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) الرسول هنا محمد - صلى الله عليه وسلم - و (أل) للعهد الذهني أي: الرسول المعهود محمدًا، والرسول تعريفه: هو من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه.
-قوله تعالى (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) ولم يقل (وأطيعوا الله والرسول) إشارة إلى أن طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - تجب استقلالًا، بمعنى: أن طاعته تجب فيما أمر به مما لم يأت في القرآن الكريم.
وقد جاءت آيات كثيرة تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
قال تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) .
وقال تعالى (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا) .
قال تعالى (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) .
وقال تعالى (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) .