-وأصل الإملاء: الإمهال والمد في الأجل.
وقال بعض العلماء: ضمير الفاعل في قوله (وأملى لهم) راجع إلى الله تعالى، والمعنى: الشيطان (سول لهم) أي: سهل لهم الكفر والمعاصي وزينه وحسنه، والله جل وعلا أملى لهم، أي: أمهلهم إمهال استدراج.
وكون التسويل من الشيطان والإمهال من الله تشهد له آيات من كتاب الله.
كقوله في تزيين الشيطان لهم (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ) .
وقوله تعالى (تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) .
وقوله تعالى (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ) .
وقوله تعالى (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا) .
وكقوله تعالى في إملاء الله استدراجًا (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ. وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) .
وقوله تعالى (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) .
وقوله تعالى (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) . [أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ] من الرزق والمال والصحة والبركات [حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا] أي: فرحوا فرحًا لا يحبه الله، وهذا كما قال فيهم: (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) [أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ] فهذا فيه زيادة حسرة عليهم، أي: إذا أخذوا بغتة وهم في هذا الرغد.
وفي الحديث قال - صلى الله عليه وسلم - (إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج، ثم تلا:(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُون) .
(ذَلِكَ) أي: ما تقدم من الإمهال والإملاء.
(بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ) أي: قالوا لليهود الذين كرهوا القرآن الذي نزّله الله حسدًا وبغيًا.
(سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ) أي: سنطيعكم في بعض ما تأمرونا به كالقعود عن الجهاد، وتثبيط المسلمين عنه وغير ذلك.
(وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) أي: ما يسرون وما يخفون، الله مطلع عليه وعالم به كقوله (واللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ) .
(فَكَيْفَ) ترى حالهم الشنيعة، ورؤيتهم الفظيعة.
(إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ) الموكلون بقبض أرواحهم، وهم ملك الموت وأعوانه.
-جاء في آية أن الله هو الذي يتوفى كما قال تعالى (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) وجاء في آية أخرى أن ملك الموت هو الذي يقبض الأرواح كما قال تعالى (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) وجاء في آية أخرى أن الملائكة هم الذي يقبضون الأرواح كقوله تعالى (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ) .
الجمع: الموت يكون بإذن الله، وقبض الروح يكون بملك الموت، ومعه الملائكه تساعده.
(يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ) بالمقامع الشديدة عند الموت.
كما قال تعالى (وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) .