الثالث: العلم بأنه المنفرد بالنعم الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، فإن ذلك يوجب تعلق القلب به ومحبته، والتأله له وحده لا شريك له.
الرابع: ما نراه ونسمعه من الثواب لأوليائه القائمين بتوحيده من النصر والنعم العاجلة، ومن عقوبته لأعدائه المشركين به، فإن هذا داع إلى العلم بأنه تعالى وحده المستحق للعبادة كلها.
الخامس: معرفة أوصاف الأوثان والأنداد التي عبدت مع الله، واتخذت آلهة، وأنها ناقصة من جميع الوجوه، فقيرة بالذات، لا تملك لنفسها ولا لعابديها نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، ولا ينصرون من عبدهم، ولا ينفعونهم بمثقال ذرة، من جلب نفع أو دفع شر، فإن العلم بذلك يوجب العلم بأنه لا إله إلا هو وبطلان إلاهية ما سواه.
السادس: اتفاق كتب الله على ذلك وتواطؤها عليه.
السابع: ما أقامه من الأدلة الأفقية والنفسية، التي تدل على التوحيد أعظم دلالة، وتنادي عليه بلسان حالها بما أودعها من لطائف صنعه، وبديع حكمته، وغرائب خلقه.
هذا، وإن نظرت إلى الدليل العظيم، والأمر الكبير - وهو تدبر هذا القرآن العظيم، والتأمل في آياته - فإنه الباب الأعظم إلى العلم بالتوحيد، ويحصل به من تفاصيله وجمله ما لا يحصل في غيره. [تفسير السعدي] .
(وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) أي: اطلب من الله المغفرة لذنوبك، والمغفرة: هي ستر الذنب والتجاوز عنه، كما قال تعالى (وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) وقال سبحانه (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) .
-والاستغفار يكون على وجهين:
الوجه الأول: طلب المغفرة بلفظ: اللهم اغفر لي، أو أستغفر الله.
الوجه الثاني: طلب المغفرة بالأعمال الصالحة التي تكون سببًا لذلك.
-وقد استجاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمر ربه فأكثر من الاستغفار.
قال - صلى الله عليه وسلم - (إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة) رواه مسلم.
وقال - صلى الله عليه وسلم - (والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة) رواه البخاري.
-الحكمة من استغفار النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أنه مغفور له:
أولًا: أنه قد يقع منه الذنب إلا ذنبًا ينافي مقتضى الرسالة مثل الخيانة والكذب وما أشبه ذلك.
ثانيًا: لتقتدي به الأمة.
ثالثًا: تحقيقًا للعبودية.
(وَ) استغفر أيضًا.
(لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) فإنهم - بسبب إيمانهم - كان لهم حق على كل مسلم ومسلمة الأحياء منهم والأموات.
(وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) أي: يعلم تصرفكم في نهاركم، ومستقركم في ليلكم كقوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ) واختار هذا ابن جرير وابن كثير.
وقيل: (مُتَقَلَّبَكُمْ) في الدنيا، (وَمَثْوَاكُمْ) في قبوركم، وقيل: (مُتَقَلَّبَكُمْ) في أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات (وَمَثْوَاكُمْ) مقامكم في الأرض.