وهذا من أجمع التعاريف، وقد جاء في معناها آثار عدة عن السلف كلها داخلة تحت هذا المعنى.
قال علي: التقوى: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.
وقال ابن مسعود: حقيقة تقوى الله: أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر.
وقال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله.
قال ابن القيم: وهذا من أحسن ما قيل في حد التقوى.
-في هذه الآية دليل على أن من اتقى الله دخل الجنة، وقد جاء ذلك في آيات كثيرة:
فقال تعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ) وقال تعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ) وقال تعالى (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) وقال تعالى (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) .
وقال تعالى (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ) .
(فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ) أي: فيها أنهار جاريات من ماء غير متغير الرائحة، لا بوخم ولا بريح منتنة، ولا بمرارة ولا بكدورة، بل هو أعذب المياه وأصفاها.
(وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ) أي: لم يحمض كما تغير ألبان الدنيا، لأنها لم تخرج من ضروع الإبل والغنم والبقر.
(وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ) أي: ليست كريهة الطعم والرائحة كخمر الدنيا، بل حسنة المنظر والطعم والرائحة والفعل.
-وقد ذكر تعالى بعض صفات خمر الآخرة وأنها لا تسكر شاربها ولا تسبب له الصداع الذي هو وجع الرأس.
فقال تعالى (لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ) أي: لا يحصل لهم صداع في رؤوسهم عند شربها، ولا نزيف في بطونهم.
-وقيدها بأنها لذة للشاربين، لأن الخمر كريهة الطعم في الدنيا لا يتلذذ بها إلا فاسد المزاج.
وقال تعالى (لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ) .
(وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً) أي: هو في غاية الصفاء، وحسن اللون والطعم والريح.
-قوله تعالى (مُصَفّىً) أي: لم يخالطه الشمع وفضلات النحل.
قال ابن القيم: فذكر سبحانه هذه الأجناس الأربعة ونفى عن كل واحد منها الآفة التي تعرض له في الدنيا.
فآفة الماء أن يأسن ويأجن من طول مكثه، وآفة اللبن أن يتغير طعمه إلى الحموضة وأن يصير قارصًا، وآفة الخمر كراهة مذاقها المنافي للذة شربها، وآفة العسل عدم تصفيته، وهذا من آيات الرب سبحانه وتعالى أن تجري أنهار من أجناس لم تجر العادة في الدنيا بإجرائها ويجريها في غير أخدود وينفي عنها الآفات التي تمنع كمال اللذة بها كما ينفي عن خمر الجنة جميع آفات خمر الدنيا من الصداع والغول واللغو.
(وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) أي: ولهم مع هذه الأشربة، من كل الثمرات، أي من كل صنف من أصنافها.
كما قال تعالى (وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ) أي: مما يتخيرون من أنواع الفواكه والثمار وقال تعالى (مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ) وقال تعالى (يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ) .