سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة: 71] ويتصل بذلك ما هو متاح لها من الإدلاء بالفتوى والرأي العلمي.
[14] يتمتع غير المسلمين في الدولة المسلمة بحقوقهم الدينية والوطنية حتى إن المسلم يجاهد بنفسه وماله من أجل حماية الحرية الدينية لنفسه ولغيره وخاصة من أهل الكتاب، ونقرأ في ذلك ما تقرره آيات مشروعية الجهاد من قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [الحج: 39 - 41] .
[15] وتمتد الشورى لتكون منهاجًا للحياة الخاصة في التربية والتنشئة السليمة، ومن ذلك الشورى التي يجريها الزوجان في شؤون الأسرة، بل ويجريها سائر أفراد الأسرة حول الأمور الماسة بمصير الأسرة ... سواء كان أفراد الأسرة بالغين أو قاصرين، فقد عرف عن الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - استشارته حتى للصبيان توسمًا لسلامة فطرتهم. ومبدأ تقسيم الوظائف (تقسيم العمل) الذي أعطى الزوج وظيفة القيادة (القوامة) للأسرة، يقتضيه ممارسة الشورى مع الزوجة ومع سائر أفراد الأسرة ... فكما أنّ الشورى هي أحد أكبر أركان الحكم الصالح، فإنها كذلك أحد أهم مقومات الأسرة الفاضلة، وتمتد فضيلتها إلى سائر شؤون المجتمع بين سائر مجموعاته.
[16] والشريعة الإسلامية تأمر بالشورى في سائر شؤون الحياة الخاصة، وبخاصة لفض نزاعاتها، فتُدخل الحكماء من المجتمع لإصلاح ذات البين بين الزوجين، تجنبًا لانهيار نظام الأسرة بالطلاق، وذلك من خلال الشورى التي يجريها الحَكَمَان لإزالة عوامل الشقاق. {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [1] .
[17] وتمتد قيمة الشورى، كذلك لفض سائر النزاعات في المجتمع، حيث تتضمن عمليات الإصلاح بين أي طائفتين متنازعتين ممارسة الشورى في التحكيم بينهما .. وذلك حيث أنّ نتائج الشورى في سائر هذه العمليات الإصلاحية قمينة بإزالة عوامل النزاع.
[18] وللشورى قواعدها وآدابها ووسائل ممارستها .. وهي جميعًا تتوخى العدل وتنحو إلى الإحسان، فتوسع دائرة الحوار، وتبادل الرأي، وصولًا للرأي الجامع، فإنْ لم يكن فالرأي الراجح. وهي في نهاية الممارسة الشورية تلزم سائر الأطراف بتنفيذ الرأي الجامع أو الرأي الراجح، حيث يعقب عقد العزم على الرأي التوكل على الله تعالى في تنفيذه.
[19] وقيمة الشورى تقتضي فضيلة المناصحة. فلا تقوم الشورى بحسن ممارستها، وحسن نتائجها، إلا إذا كان دافعها إسداء النصيحة، وهي الإخلاص في القول المقرون بالعمل وذلك بأن طبيعة الشورى تختلف عن النقد العلني والتجريح الفاضح،
(1) سورة النساء: الآية (35) .