وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ وَأَنْ نَقُومَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كَانَ لا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ) [1] .
وعند تنازع اثنين في البيعة بأنْ يُبايع للأول ثم يقوم آخر فيطلبها لنفسه أو يدعيها؛ فإنّ الحسم والحزم يقتضيان ما قضت به السنة النبوية كما في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه: (إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الآخَرَ مِنْهُمَا) [2] . فيدفع الآخر بالتي هي أحسن: وذلك يكون بالتذكير بالله واليوم الآخر، والزجر، والإعراض، وصرف الناس عنه .. وبكل ما تندفع به غوائل الفتنة ونذر الشر، وذلك مما يقتله معنويًا .. ولعل هذا هو مقصود الشارع بما ورد في الأمر بذلك ..
ثم يكون آخر الدواء الكي.
وعليه: فليس المراد بالأمر بالقتل في الحديث البدء بالقتل الحسي أو جعله غاية قبل استنفاد الوسائل الأخرى.
وهذا ما ذهب إليه الأئمة المحدثون وشراح الحديث كالإمام النووي حيث قال:"هذا - أي الأمر بالقتل - محمول على ما إذا لم يندفع إلاّ بقتله" [3] .
فمعنى كلامه: بذل الوسائل الأخرى قبل الوصول إلى ذلك، وعدم الوصول إلى ذلك إلاّ بعد استنفاد كل الوسائل.
وقال الإمام ابن حجر العسقلاني:"وإنْ كان بعضهم قد أَوَّله - أي: الأمر بالقتل - بالخلع والإعراض عنه فيصير كمن قتل، وكذا قال الخطابي في قول عمر في حق سعد: اقتلوه، أي: اجعلوه كمن قتل" [4] . فجعل الخطابي القتل معنويًا.
والحق إنما تقاتل الجماعة الخارجة إذا خرجت عن الطاعة، وأعلنت العصيان، وحملت السلاح.
ومع جواز مناصحة من ولاه الله الأمر العام بل وجوب أداء النصيحة له، إلا أنه لا يجوز الخروج على إمام مبايع إلا أنْ يرى المسلمون كفرًا بواحًا، أي: ظاهرًا صريحًا، عندهم عليه من الله برهان، أي: نصّ آية أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل، ومقتضاه أنه لا يجوز الخروج عليه ما دام فعله يحتمل التأويل، كما في حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - لمن عاده مريضًا من إخوانه، فَعَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَهُوَ مَرِيضٌ، قُلْنَا: أَصْلَحَكَ اللَّهُ حَدِّثْ بِحَدِيثٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِ سَمِعْتَهُ مِنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: دَعَانَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنْ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ" [5] ."
وعن عوف بن مالك الاشجعي - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (خِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلا نُنَابِذُهُمْ
(1) ورد هذا الحديث بألفاظ عدة عند أصحاب السنن، وهذا اللفظ أخرجه النسائي في كتاب البيعة برقم 4084. وانظر: ابن هشام: السيرة النبوية، 2/ 99. والطبري: تاريخ الأمم والملوك، 2/ 368.
(2) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب إذا بويع لخليفتين، برقم 3444.
(3) انظر: شرح النووي على مسلم، 12/ 242.
(4) ابن حجر: فتح الباري، 12/ 156.
(5) أخرجه الشيخان: البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - سترون بعدى أمورا تنكرونها، برقم 6532، ومسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها، برقم 3427.