الصفحة 16 من 23

وَإِنَّ بَنِيَّ قَدْ أَقَرُّوا بِذَلِكَ" [1] ."

ثم إنّ هذه البيعة يمكن تكرارها وتجديد العهد بها بين الناس من وقت لآخر ومكان لآخر، على أنّ انعقاد البيعة العامة بصيغها المعروفة واجتماع الناس عليها لا يمنع من تأكيدها وتجديدها باستخدام كل وسائل قياس الرأي، والانتخاب، والاختيار، والاستفتاء، وخاصة إذا كان ذلك مما التزمه الناس أو اعتادوه أو استحسنوه.

والبيعة على تعدد صيغها ومناسباتها محكومة كلها ببيعة الإمام ذي السلطان والشوكة والقوة، الحارس للثغور، المطبق لأحكام الشريعة الإسلامية، المقيم لحدود الله، وهو الذي تجب طاعته في المنشط والمكره، وطاعته حينئذ من طاعة الله تعالى وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

وتُعَدُّ البيعة لجماعة إسلامية من أجل رَدّ الأمة إلى أصولها وتحكيم شرع الله من باب البيعة الصغرى.

وعليه: فمتى قامت الدولة، وبُويع إمامها، لزم الجماعة نفسها وقيادتها، بالغًا ما بلغ جهدهم في قيام هذه الدولة، لزمهم جميعًا الدخول في هذه البيعة الكبرى والتزام أحكامها ومقتضياتها، لكونها حاكمة على البيعة الصغرى وما اتصل بها من العهود والمواثيق.

ويجب على المسلم الوفاء بالعهد، ولا يجوز لمن بايع أنْ ينقض عهده {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا} [الإسراء: 34] . و {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] . و {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء: 59] .

ومتى استنفر الإمام قومًا وجب أنْ يلبوا دعوته ويستجيبوا لأمره دون مراجعة أو استئذان من الوالدين أو غيرهما، لقوله - صلى الله عليه وسلم: (لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا) [2] .

وكما أنّ هذه البيعة العامة ملزمة وحاكمة للعامة فإنها كذلك تفرض على الإمام المبايع واجبًا هو أعظم التزامًا من التزام الناس نحوه، وهو أنْ يقوم بواجب البيعة تحكيمًا لها وحدها لا لمصالح حزبه الذي يتقوى به أو جاء به إلى موقع المسؤولية، فإنها مسؤولية عامة، وأمانة هو مسؤول عنها عن الأمة كلها، وذلك مقتضى العدل بين الناس كلهم، وأداء الأمانات لأصحابها كما يأمرنا الله تعالى {إِنَّ اللّهَ يَامُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 58] .

ولا يجوز بعد المبايعة أنْ يُنَازع الإمام في ولايته بل يكون له السمع والطاعة ما أطاع الله تعالى ورسوله لقوله - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عنه عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي عُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَمَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا

(1) صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس، برقم 6665.

(2) أخرجه الشيخان: البخاري، كتاب الجهاد والسِّيْر، باب وجوب النفير وما يجب من الجهاد والنية برقم 2613، ومسلم، كتاب الإمارة، باب المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام والجهاد، برقم 3467.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت