بِالسَّيْفِ؟ فَقَالَ: لا مَا أَقَامُوا فِيكُمْ الصَّلاةَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ وُلاتِكُمْ شَيْئًا تَكْرَهُونَهُ فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ، وَلا تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ" [1] . فالبيعة إذن التزام قائم وعقد موثق وعهد واجب الوفاء بين طرفين على طاعة الله تعالى واتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -."
وإنها بيعة على قول الحق، وهو معروف، واتباع الحق والدعوة إليه من أعظم المعروف، والأقربون أَوْلَى الناس بالمعروف، ولهذا فليُبْذل لهم النصح الخالص، وليقبلوه، وإنْ كان اتباع الحق عليهم مُرًّا.
وعليه: فلا ينبغي أنْ يسكت المخلصون عن قول الحق أو يتركوه لمن لا يحسنون أداءه أو ممن أكبر همهم أنْ يعلو شأنهم وينازعوا به أولي الأمر إتّباعًا للأهواء. والذي يقول الحق يملك من الشجاعة ما يسمع به أيضًا قولة الحق ويطيعه ويحتمله ولو على نفسه. ولهذا فهو لا يخاف في الله لومة لائم شأنه في ذلك شأن {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [الأحزاب: 39] .
[8] البيعة ومؤسسات الشورى الحديثة:
وهناك بيعتان للإمام (رأس الدولة) :
[أ] بيعة خاصة من أهل الخبرة والاختصاص (الحل والعقد) .
[ب] وبيعة عامة من عامة المسلمين.
وقد كان الخلفاء الراشدون يتلقون البيعتين، فقد تمت الخلافة لأبي بكر بالبيعة من بعض المسلمين يوم السقيفة ومن بقيتهم في اليوم الثاني، ثم توالت البيعة من الأنحاء. صحيح أنّ عمر بن الخطاب هو الذي بدأ بالبيعة وصمم عليها. ولكن ذلك لا يعني أنها كانت بيعة فرد بل كانت بيعة أمة. بيعة المهاجرين والأنصار الذين كانوا قد بايعوا الرسول من قبل وآزروه ونصروه.
يقول ابن تيمية في كتابه"منهاج السنة" [2] : ولو قُدّر أنّ عمر وطائفة معه بايعوا أبا بكر وامتنع سائر الصحابة عن البيعة لم يصر أبو بكر إمامًا بذلك، وإنما صار إمامًا بمبايعة جمهور الصحابة الذين هم أهل القدرة والشوكة.
وأمير المؤمنين عمر نفسه يدرك ذلك ويحض الأمة على أنْ تحتفظ بحقها في الاختيار، وفي الخطبة الشهيرة التي ألقاها عقب عودته من موسم الحج قال:"فمن بايع رجلًا غير مشورة المسلمين، فإنه لا بيعة له هو ولا الذي بايعه" [3] .
يقول ابن تيمية:"إنّ عثمان لم يصر إمامًا باختيار بعضهم، بل بمبايعة الناس له. وجميع المسلمين بايعوا عثمان بن عفان ولم يتخلف عن بيعته أحد. قال الإمام أحمد: ما كان في القوم من بيعة عثمان كانت بإجماعهم، وإلاّ لو قدر أنّ عبد الرحمن بن عوف بايعه ثم لم يبايعه علي ولا غيره من الصحابة أهل الشوكة لم يصر إمامًا. ثم إنّ"
(1) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب خيار الأئمة وشرارهم، برقم 3447.
(2) ابن تيمية: منهاج السنة النبوية، 1/ 530.
(3) خالد محمد خالد: الدولة في الإسلام، دار ثابت للنشر والتوزيع، مصر، ص 65 - 66.