فقلت: كنت أقول: إن الفائدة الثالثة هي: صقل الموهبة، وأما قول صاحبي أما في القرآن والسنة كفاية. فإني أجيب فأقول: إن القرآن والسنة معين لا ينضب من البلاغة ولذلك كان شعراء الإسلام لابد للواحد منهم أن يقرأ القرآن ويحفظ منه وكذلك السنة، ولكن مع ذلك لابد للشاعر والأديب أن يقرأ شعر السابقين وأدبهم ويحفظ منه؛ لأن القرآن والسنة ليسا كهيئة الشعر وهذا من صميم الإسلام، فالله سبحانه وتعالى يقول عن القرآن: ... {وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون} ويقول عن رسوله صلى الله عليه وسلم: ... {وما علمناه الشعر وما ينبغي له} ولأن القرآن والسنة ليسا كهيئة الشعر كان للرسول صلى الله عليه وسلم شاعره، وكان للإسلام شعراء ينافحون عنه في صدر الإسلام مع أن القرآن ينزل فيهم، ورسول الله بين ظهرانيهم، بل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان رضي الله عنه حاثًا له على هجاء أعداء الإسلام: اهجهم وروح القدس معك.
ثم قلت: وأما الفائدة الرابعة فهي: تربية الذوق السليم وتنميته لكي لا تتصلب القلوب فتصبح جامدة لا ترى مواقع الجمال ولا مواطن الإبداع؛ ولهذا كان السلف يروون أولادهم الأشعار بل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما ذكر البيت والبيتين وكان يستنشد الشعر أصحابه، وكان يعجب به إذا سمعه وهذا يدل على نفس صافية وروح شفافة. وإذا كان المرء على معرفة بالأدب كان عارفًا بالكلام وفصاحته وبلاغته؛ ولهذا يكون من أعرف الناس ببلاغة القرآن معرفة نظر وتبصر. ولهذا لما كان الناس في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم أهل فصاحة وبلاغة لم تشتبه عليهم بلاغة القرآن المعجزة، وأما حين ضعفت لغة الناس وبلاغتهم ظهر من يشكك في إعجاز القرآن فوقف في وجوههم أدباء العلماء، وألفوا الكتب وبينوا مواطن الإعجاز في القرآن الكريم.
وليسمح لي صاحبي أن أقول: لو أن لصاحبي تلك الروح الصافية الشفافة ما تصلب قلبه دون القصيدة. وحاشاه أن يكون كما قال الشاعر:
وكم من عائب قولًا صحيحًا ... وآفته من الفهم السقيم
فابتسم صاحبي، وابتسمت، ثم قلت: هذه الفوائد الأربع هي أبرز فوائد هذه القصيدة وما أشبهها من القصائد، ثم سكت.