ولهذا فإن الفائدة الأولى لقصيدة ابن خفاجة في وصف الجبل وما أشبهها هي فائدة كبيرة وهي: التفكر في مخلوقات الله.
وأما الفائدة الثانية فهي: إلباس الحكمة ثوبًا حسنا فأرى من محاسن القصيدة أن الشاعر لم يقم واعظًا يأمر وينهى، ولم يسرد الحكمة سردا وإنما أفاض عليها من فنّه، فخرجت في ثوب قشيب جميل، وهكذا ينبغي أن يكون الشاعر وإلا فإن أدوات شعره لم تكتمل. استمع إلى ابن خفاجة إذ يقول على لسان الجبل:
وقال: ألا كم كنت ملجأ فاتك ... وموطن أواه تبتل تائب
وكم مر بي من مدلج و مؤوّب ... وقال بظلي من مطي وراكب
فما كان إلا أن طوتهم يد الردى ... وطارت بهم ريح النوى والنوائب
أفليست هذه دعوة للاعتبار؟!
قال الشيخ الحكيم: هذه الفائدة الثانية للقصيدة، فهل لديك فائدة ثالثة؟!
قلت: نعم ثالثة ورابعة.
أما الفائدة الثالثة فهي: صقل الموهبة وذلك أن الأدب والشعر منهل، فمن أراد أن تكتمل مهارته، فلا بد أن يرتوي من شعر أسلافه.
*بارقة شعرية:
ولهذا أقول:
إذا ما عشتُ في الدنيا ... ودرّ الشعر كالمطرِ
وعشت بها على ظمأٍ ... فقل بالله ما عذري
فإذا ارتوى الشاعر والأديب من شعر أسلافه وأدبهم، واشتد عوده، و قويت قريحته، وأراد أن يقول في الأغراض السامية والمعاني الشريفة أتى بالروائع؛ فنصر الله به الإسلام وأهله، وسُرّ به جنود الإيمان وحزبُه، وأوغل في الأعداء ضربُه.
فقال الشيخ الحكيم: أصبت! ما أحسن ما قلت!.فاحتدّ صاحبي ولوح بيده غاضبًا وقال: عجبًا لكم ألا تتدبرون؟! أما في بلاغة القرآن والسنة كفاية لمن صح نظره وسلم عقله! فقال الشيخ: هدئ من روعك قليلًا! ثم التفت الشيخ إليّ وقال: أكمل حديثك.