فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 31

كنت أسير ذات يوم في سهل فسيح وقد اكتست الأرض بالخضرة وتحلت السماء بالزرقة في سحب بيضاء رائعة، وشمس هادئة دافئة، وقد باكر الأرض مطر لما يزل باق منه أثره، وقد انتشر في الفضاء عطره، وكنت أسير في نفس هادئة صافية أحسها لفرط السعادة لا تكاد تقر على الأرض، أتأمل في كل ... ما يقع عليه بصري، وأجول في تلك المناظر ناظري، وأسبح بحمد ربي، وأتلو قوله تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون}

والريح ما بين ذلك تمر بي فتتلطف، والنسيم الهادئ يفيض على نفسي السكون ولا يكاد يتوقف. فأشعر بالسرور قد تملك خافقي وهيج عواطفي ...

وبينما النفس في حبورها، قد حلقت في سرورها؛ إذ تراءى لي جبل شامخ فلما دنوت منه راعني منظره، ودهشت لعظمه، وأنساني كل ما رأيت قبله، فجعلت أنظر إليه، وأتفكر فيه، وأدركت كم يغفل المرء عما أبدعه الله وأحكمه، ودعاه للتفكر فيه، قال تعالى: {أفلا ينظرون ... } حتى قال: {وإلى الجبال كيف نصبت} ما أعظمه من جبل كأنما امتد إلى السماء كي يصافحها، وما أروعه من منظر كأنما جعله الله بالجنة مذكرا.

لكم أشعر بالسرور والدهشة، أشعر كأن مشاعر قلبي قد ثارت وتداخلت،

أحس كأني في وقوفي أمام الجبل كأنما أريد أن أصغي إليه، وأستمع كلامه. قال تعالى: {وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم} .. كأنما هذا الجبل الشامخ شيخ حكيم حنكته السنين يتحدث عن تجاربه وخلاصة رأيه ..

ها هنا تداعى لخاطري، وقفز أمام ناظري، قصيدة شاعر الوصف ابن خفاجة الأندلسي، ظننت كأنه قال ما أريد قوله الآن، فرفعت صوتي وذهبت أترنم بالقصيدة فتحركت لها مشاعري ونبعت من صميم قلبي .... يقول الشاعر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت