وأرعن طماح الذؤابة باذخ ... يطاول أعنان السماء بغارب
يسد مهب الريح من كل وجهة ... ويزحم ليلا شهبه بالمناكب
وقور على ظهر الفلاة كأنه ... طوال الليالي مطرق في العواقب
يلوث عليه الغيم سود عمائم ... لها من وميض البرق حمر ذوائب
أصخت إليه وهو أخرس صامت ... فحدثني ليل السرى بالعجائب
وقال: ألا كم كنت ملجأ فاتك ... وموطن أواه تبتل تائب
وكم مر بي من مدلج ومؤوّب ... وقال بظلي من مطي وراكب
وأتيت على كل القصيدة، وخرجت منها وفي فمي حلاوتها، وحسن طلاوتها.
وبينما أنا كذلك إذ هتف هاتف من خلفي فالتفت إليه وإذ به أحد أصحابي وفي وجهه ابتسامة وتهكم وهو يقول ويردد: ما أصغر عقولكم! وما أجهل تفكيركم!
فذهلت وقلت: لماذا كل هذا؟ فقال: بالعقل ماذا يفعل شاعركم هذا؟ أيخاطب جبلًا؟!!
أيظن أنه قد نفثت فيه الروح فأصبح يسمع ويتكلم! أيظن الجبل رابضًا ينتظر من يمر به فينظر إليه ويكلمه! ثم ماذا ينتفع الناس من هذا الشعر؟ إنما هذا عبث نشأ عن الفراغ ونوع من الأوهام والخيالات. فقلت: والله لم أر منطقًا أبرد من هذا! ولا حججًا أوهى من هذه!
قال الشاعر: حجج تهافت كالزجاج تخالها ... حججًا وكل كاسر مكسور
لكنما ها هنا شيخ حكيم عرف الدنيا وسبرها، وجرب الأيام وخبرها، وهو قريب من هنا فإن شئت صرنا إليه فتحاكمنا لديه؛ فإنه ذو رأي صائب، وعقل حاذق، وإنه بمثل هذا أدرى. قال تعالى: {ولا ينبئك مثل خبير} .
قال: لا أرى مانعًا من ذلك؛ فإنه شئ لا يخفى على ذي رأي، ولا يلتبس على ذي لب، إذا تأمل فيه حق التأمل. قلت: حسنًا. فسرنا إليه حتى بلغناه. فدخلنا عليه وإذا به شيخ قد كسته المهابة حللها، وتراه كأنما الحكمة تنبع بين عينيه فتكبره وإن لم تخبره ..
فسلمنا فرد السلام، ورحب بنا ترحيب الكريم بضيفه، وترحيب المشتاق بأهله.