مطلق في حقيقة الأحكام الشرعية، واستكشاف مراد الشارع الحكيم من النصوص. أما عند إيقاع هذه الأحكام على أفعال المكلفين وواقعهم، وحتى لا يكون التنزيل آليا، فإن النظر ينصرف إلى تفاصيل تعليلات الأحكام، فالحكم لا يعرف إلا بدليله الخاص به.
2 -التفريق بين المقاصد والوسائل:
إن التفريق بين المقاصد والوسائل يتيح للناظر بيان ما هو المقصد، وما هي الوسيلة إلى المقصد؛ لأن الشريعة، كما اتفق أغلب العلماء، تنقسم إلى: مقاصد ووسائل مفضية إليها. مقاصد حُددت في آي القرآن الكريم وأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، فاستُنبِط منها عن طريق الاستقراء ومسالك أخرى تتبعها العلماء، واستخرجوا بعضا منها، مما يعرف بمسالك الكشف عن المقاصد. ثم وسائل أخذت أحكام المقاصد؛ وجوبا، وندبا، وكراهة، وتحريما، بوصفها الطرق المفضية إليها، والمحققة لها، في ضوء الأوامر والنواهي الربانية. فمن هنا تظهر أهمية الوسائل للوصول إلى تحقيق المقاصد المرعية في الشريعة؛ من جهة تنزيلها في واقع المكلفين [1] .
وفي هذا المقام يقول العلامة ابن القيم:"التكليف أمر ونهي، والأمر نوعان، أحدهما: مقصود لنفسه. والثاني: وسيلة إلى المقصود، والنهي نوعان: أحدهما: ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه، والثاني: ما يكون وسيلة إلى المفسدة" [2] . ويضيف قائلا:"لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها" [3] . وهو بذلك يقسم أوامر المولى تبارك وتعالى إلى قسمين: إلى ما يقع في مرتبة المقاصد التي يبغي الشارع تحقيقها، ومرتبة الوسائل التي تحقق مقاصد الشارع في واقع الناس بالمحافظة عليها.
(1) - زوزو، فريدة صادق، النسل: دارسة مقاصدية في وسائل حفظه على ضوء تحديات الفقه المعاصر، رسالة دكتوراه، الجامعة الإسلامية العالمية، 2002م، ص57.
(2) - ابن القيم، شمس الدين محمد بن أبي بكر: إعلام الموقعين، ترتيب: محمد عبد السلام إبراهيم، ط1، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1991م) ، ج3/ ص126.
(3) - ابن القيم، إعلام الموقعين، ج3/ ص108، 130.