وهو الأمر نفسه مع الإجهاض المراد إيقاعه على الجنين المشوه، أو المريض مرضا وراثيا قاتلا، فهنا تطبق قاعدة الترجيح بين حفظ النفس، وحفظ النسل، وأيهما يقدم؟
هل يقدم مقصد حفظ نفس (الجنين) مهما كان مرضه؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} (الإسراء: 33) ،"ومفاد ذلك أنه إذا حرم الاعتداء على الإنسان، حرم الاعتداء على أصله وهو الجنين، في كافة مراحل تكوينه" [1] ، لحرمة القتل بغير حق عدا حق القصاص وغيره.
أم يقدم مقصد حفظ النسل لأن عدم إجهاضه يحقق إيجاد نسل مشوه لا فائدة ترجى من شفائه، ولا فائدة من وجود هذا النسل الذي لا يتحقق به المقصد الكلي؟
والأصل في هذا الترجيح أنه واقع بين مقصد كلي وهو كلية النسل، ِّ ووسيلة مرسلة هي الإجهاض، فلم يرد في النصوص الشرعية أنه وسيلة يراد بها حفظ النسل من جانب الوجود أو العدم.
والمقصد أيضا هو حفظ النفس من الاعتداء عليها، والوسيلة هي الإجهاض، وهي وسيلة أريد بها حفظ نفس ونسل، غير أن الحفظ بهذه الوسيلة محتمل الإفضاء للمقصد المتعين، ومن ثم فإن القول بأن الإجهاض وسيلة مشروعة لمجرد الاحتمال ليس بالأمر السهل. وإذا كان الإجهاض وسيلة لحفظ النسل عند التيقن من تشوه الجنين وعدم حياته بسبب هذا التشوه، فإنه وفي الوقت نفسه وسيلة هادمة لمقصد حفظ النفس. وبين النفس والنسل تترجح كلية النفس في الحفظ على النسل، وفي حالة ثبوت مرض الجنين، فإنه لا يجوز إسقاطه؛ لأن الإجهاض يأخذ حكم قتل الجنين، وفي قتله يأس من رحمة الله، وذلك يأخذ حكم"قتل الرحمة"أو"تيسير الموت"غير الجائز في الشريعة الإسلامية أصالة (وهذا بحث آخر ليس هنا مجاله) .
ثالثا: الإجهاض الجنائي بين حفظ مقاصد الشارع ومقاصد المكلف
(1) - جاد، وثيقة مؤتمر السكان، ص 117.