الصفحة 37 من 47

بين هذا السؤال وذاك يجدر أن يُعالج موضوع"الإجهاض"في الإطار المقاصدي، بغرض معرفة موقع"الإجهاض"بأنواعه، بين حفظ مقاصد الشارع الحكيم وحفظ مقاصد المكلف، وأيهما أولى بالاعتبار:

أولا: الإجهاض التلقائي بين حفظ مقاصد الشارع ومقاصد المكلف

جاء في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: {إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه} [1] ؛ أي أن إثم الخطأ والنسيان والإكراه مرفوع عن المكلف في كل الأفعال، والإجهاض التلقائي هو الذي يقع دون إرادة أي فاعل؛ فهو إجهاض عفوي، يحدث للمرأة دون أي تدخل منها كما عرفنا. فلا حرج ولا إثم فيه، لأنه لا نية للمرأة، وهي المكلف، في معارضة قصد الشارع سبحانه وتعالى في منع اكتمال الحمل أو إسقاطه.

ثانيا: الإجهاض العلاجي بين حفظ مقاصد الشارع ومقاصد المكلف:

رأينا أن الإجهاض العلاجي محكوم بقاعدة الضرورة وتوابعها [2] ، عندما نريد إجراء إجهاض لإنقاذ الأم من خطر يهدد حياتها أو صحتها. ومحكوم أيضا بقاعدة الترجيح بين المقاصد الشرعية الضرورية؛ فيدخل في مرتبة الترجيح بين حفظ النفس وحفظ النسل وأيهما يقدم على الآخر. وباعتبار أن الأم هي الأصل والجنين فرع منها؛ فإن الراجح هو اعتبار حياة الأصل، وتهدر حياة الفرع مقابلها. وهو القول الذي ذهب إليه الفقهاء في استنادهم على آراء الأطباء، كما سبق ذكره [3] .

(1) - أخرجه ابن ماجه في أبواب الطلاق، باب: طلاق المكره والناسي، رقم 2053. انظر: ابن ماجه، سنن ابن ماجه، ج1/ص377.

(2) - من أمثلة القواعد التي تدخل تحت (نظرية الضرورة) : الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف؛ يختار أهون الشرين؛ الضرورات تبيح المحظورات، وغيرها. انظر: الزرقا، شرح القواعد الفقهية، ط1، (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1983م) ، ص 179 وما بعدها.

(3) - انظر تفصيلا أكثر في: البوطي، مسألة تحديد النسل، ص 91 وما بعدها؛ ياسين، محمد نعيم، أبحاث فقهية في قضايا طبية، ص 211 - 223؛ دار الإفتاء المصرية، الفتاوى الإسلامية من دار الإفتاء المصرية، (مصر: وزارة الأوقاف، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، 1983م) ، مج9/ ج 26/ ص 3099؛ جاد الحق، جاد الحق علي، بحوث وفتاوى إسلامية في قضايا معاصرة، ط1، (الأزهر الشريف: الأمانة العامة للجنة العليا للدعوة الإسلامية، 1994م) ، ج2/ ص408؛ وغيرهم مما ورد ذكرهم داخل البحث بالتفصيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت