الصفحة 21 من 47

ومما نستخلصه من أقوال فقهاء المذاهب الأربعة أن:

الإجهاض بعد نفخ الروح لأي عذر من الأعذار محرم تحريم قاطع، سوى عذر علاج الحامل للحفاظ على صحتها.

وأما قبل نفخ الروح فالمسألة فيها تفصيل وأراء بحسب المرحلة التي بها الجنين؛ فإن الإمام الغزالي وأئمة المذهب المالكي متفقون على تحريم الإجهاض مطلقا، أي منذ أن يكون نطفة إلى إلى مرحلة ماقبل نفخ الروح فيه، على أساس أن النطفة مستعدة لقبول الحياة، والجناية عليها ممنوعة بأي حال من الأحوال؛ ففي أجهاض الجنين في مراحله الأولى تعدٍ على إنسانيته وحقه في الحياة، حتى أن الإمام الغزالي وصف إفساد إلتقاء النطفة مع البويضة بالجناية، وإفساد المضغة والعلقة جناية أفحش من سابقتها، وهكذا ... وهو القول الذي ذهب إليه بعض أئمة الأحناف، مثل الإمام السرخسي.

أما الحنابلة والشافعية وبعض الفقهاء الحنفية فإنهم ذهبوا إلى أن منع التعدي على الجنين يكون من مرحلة المضغة فقط لا قبلها؛ لأنه لم يتصور بعد، وأما في المرحلة الثانية من المضغة، وإن ظهر تصور قليل فإن الراجح أنه لا يعد تعديا أو جناية، فأساس التعدي هو بدأ تخلق الجنين، وأما قبلها فإن المسألة مباحة، أي جواز إسقاط الجنين قبل الاثني والأربعين يوما، وهي"المرحلة التي يكون فيها الجنين وسطا بين الوجود الإنساني وخلافه" [1] .

والحاصل من مناقشتنا لمختلف الأقوال هو اتفاق المذاهب الثلاثة خلافا للمذهب المالكي والإمام الغزالي في جواز إسقاط الجنين، وعدم وجوب الغرة على الجاني في المرحلة الأولى من مراحل تكون الجنين، حتى مرحلة المضغة، لأنها بداية التخلق، وتَكوُّن صورة الجنين؛ فعندها تحرم الجناية عليه بأي طريق، ولأي عذر؛ فالاعتبار في حرمة الإسقاط يعود إلى ظهور بعض معالم التخلق في الجنين غير الكامل، ثم نفخ الروح في الجنين كامل الخلقة، خلافا للمالكية والإمام الغزالي الذين ذهبوا إلى حرمة فعل الإسقاط بدءا من استقرار الماء في الرحم.

(1) - الخولي، المسؤولية الجنائية للأطباء، ص 113.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت