الجنين اعتبارًا في جناية الإسقاط، وهو مذهب الحنابلة -كما رأينا- في جواز إسقاط الجنين قبل الاثنين والأربعين (42) يوما الأولى.
-رأي الأحناف:
وبمثل القول الأخير للشافعية قال الإمام السرخسي من الأحناف في قوله:"ثم الماء في الرحم ما لم يفسد فهو معد للحياة، فيجعل كالحي في إيجاب الضمان بإتلافه ... وجناية الأب أغلظ من جناية الأجنبي لأنه انضم إلى تعمده القتل بغير حق وارتكابه ما هو محظور مع قطيعة الرحم" [1] .
وإليه كذلك ذهب صاحب بدائع الصنائع في تعليل وجوب الغرة للجنين بقوله:"ولأن الجنين إذا كان حيا فقد فوت الضارب حياته، وتفويت الحياة قتل؛ وإن لم يكن حيّا فقد منع من حدوث الحياة فيه فيضمن ... وسواء استبان خلقه أو بعض خلقه ... وإن لم يستبن شيء من خلقه فلا شيء فيه لأنه ليس بجنين إنما هو مضغة" [2] . وهو المنقول عن الإمام المرغيناني الحنفي، فقد قال:"والجنين الذي استبان بعض خلقه بمنزلة الجنين التام في جميع الأحكام؛ لأن بهذا القدر يتميز عن العلقة والدم، فكان نفسا، والله أعلم" [3] .
إلا أن صاحب تكملة شرح فتح القدير يعارضه في كلامه الأول بقوله:"وليس بسديد؛ فإن تيقن كونه معدا للحياة ممنوع لجواز أن يفسد الماء في الرحم فحينئذ ينتفي استعداده للحياة" [4] . ومقتضى قول صاحب"تكملة شرح فتح القدير"هو جواز الإسقاط قبل نفخ الروح، ما لم يتخلق. وإليه كذلك ذهب ابن عابدين بعد إيراده أقوال الكثير من علماء الأحناف، قال ابن عابدين:"ولا يخفى أنها تأثم لو استبان خلقه ومات بفعلها" [5] .
(1) - السرخسي، المبسوط، (كراتشي: إدارة القرآن والعلوم الإسلامية، 1987م) ، ج2 / ص87 - 90.
(2) - الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ط2، (بيروت: دار الكتاب العربي، 1982م) ، ج7/ ص 326.
(3) - المرغيناني، الهداية، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، د. ت) ، ج 4/ ص472.
(4) - قاضي زاده، نتائج الأفكار (تكملة شرح فتح القدير) ، (بيروت: دار الفكر، د. ت) ، ج10/ ص300.
(5) - ابن عابدين، حاشية رد المحتار، (دار الفكر، 1399هـ/ 1979م) ، ج6/ ص591؛ أنظر أيضا: المرجع نفسه: في مطلب (أحوال السِّقط وأحكامه) ، ج1/ص302، ج3/ ص176.