فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 22

* التنظيم العجيب: وفي حديث كعب بن مالك الطويل [1] في خبر تخلفه عن غزوة تبوك يقول - واقرأ العجب في حديثه - وفيه: (فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف. فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد... حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة - وهو ابن عمي وأحب الناس إليَّ - فسلمت عليه، فوالله ما رد عليَّ السلام، فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت عليه فنشدته، فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار... قال كعب: حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأتيني فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك، فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر...) إن الكلمات تعجز عن التعليق على هذا الموقف، عن ماذا نتحدث؟! هل نتحدث عن الانضباط العام من الصحابة في عدم الحديث مع كعب وصاحبيه حتى استوحشت عليهم الديار؟! أم نتحدث عن الحميم والقريب لكعب - أبو قتادة - وكيف أنه استجاب للأمر مع شدته، أجزم أن هذا الأمر لو طلب من أبي قتادة أيام الجاهلية فستكون الثريا أقرب إلى الطالب منها، فالعصبية قد ضربت فيهم أطنابها، وشدت عليهم حبالها، قد صوت شاعرهم فقال:

وهل أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد

لكنه الإيمان!! وسنكررها: إنه الإيمان حين يستقر في القلوب..

(1) البخاري (4418) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت