والمراد من هذا أن الإنسان الذي يريد أن يصل إلى الله بحق يستكثر من أهل الخير والفلاح والصلاح في صحبتهم من تذكّر بالله رؤيتهم وتدل على الجنة صحبتهم.
هذا ما يمكن أن يقال إجمالًا حول جعفر ابن أبي طالب والغاية من هذا في موقفٍ كهذا ما كان من جهاده العظيم في معركة مؤتة رضي الله عنه وأرضاه.
المقدم: رضي الله عنه , أنت يا شيخ جزاك الله خير تستطرد ونحن معك في هذا الاستطراد بحثًا عن الفوائد وهذه طريقتنا في البرنامج نلحق الفائدة أينما كانت.
وأوصى الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يحمل الراية بعد جعفر عبد الله ابن رواحة وهو من أعلام تلك المرحلة. ...
الشيخ صالح المغامسي: نعم , زيدٌ وجعفر مهاجران وعبد الله ابن رواحة رضي الله تعالى عنه وأرضاه أنصاري وهو عندما خرج كان يتمنى أن يموت هناك وأن يستشهد هناك وهو الذي أشار عليهم رضوان الله عليه أنهم ما جاءوا إلا للشهادة فنالها وكان معروفًا بقدرته على الشعر وهو الذي كان يسل السيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ويقول في عمرة القضاء ويقول:
خلّوا بنو الكفار عن سبيلي ... خلُّوا فكل الخير في رسولي.
وهو رضوان الله تعالى عليه صحابيٌ جليلٌ شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا من المشاهد ومات شهيدًا في مؤتة وهو آخر الثلاثة الذين أمرّهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في مؤتة.
قبل أن يموت كان له ابن أخٍ في المدينة فكأنه أحسن إليه يعني عبد الله ابن رواحة أحسن إلى ابن أخيه فدعا له يعني الصبي دعا لعبد الله ابن رواحة أن يمتعه الله به يعني يطول عمره فأنكر عليه دعاؤه هذا لأنه كان وقتها قد علم أنه سيذهب في جيش مؤتة فقال إن هذا ينافي الشهادة وأنا لا أريد أن يعني سيغنيك الله عني وتجد من يرعاك ويكفلك ويقوم بحقك بدلًا مني لكنني أنا أبحث عن الشهادة.
ولهذا يدل يعني الشهادة من المطالب التي تطلب مع أن ظاهرها غير حسن , لماذا ظاهرها غير حسن؟ , عندما يموت فلان شهيد معناه أن الذي قتله كافر معناه الكافر قتل مسلمًا وهذا الأصل لا يريده أهل الإسلام فهي من وجه مرغوبة ومن وجه غير مرغوبة لكن إذا رأينا ما أعده الله جل وعلا للشهداء رغب المؤمن بالشهادة.
المقدم: نعم , هل يعني هذا صاحب الفضيلة أن نرد على من دعا لنا خيرًا بغير ما نريد أن نرد عليه بهذه الطريقة؟.
الشيخ صالح المغامسي: نعم ممكن يقع هذا وإن كان الأكمل أن يجعلها العبد يعني الخيرة لله لكنه إذا كان يرغب بهذا مثل موقف عبد الله ابن رواحة له أن يفعل هذا ومن صدق مع الله صدقه الله.
المقدم: أيضًا من أعلام هذه المعركة بعد عبد الله ابن رواحة جاء خالد ابن الوليد رضي الله عنه وخالد مر معنا في أحد وكان غير مسلم.
الشيخ صالح المغامسي: نعم خالد ابن الوليد رضي الله تعالى عنه وأرضاه ابن الوليد ابن المغيرة الذي مر معنا أنه ذمّه الله كثيرًا , وكان للوليد أبناء غير خالد الله جل وعلا يقول: {وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا} {وَبَنِينَ شُهُودًا} .
وخالدٌ كان رجلًا مجرّبًا فارسًا شجاعًا بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المعركة مجرد جندي لكن لما مات هؤلاء الأمراء الكبار الثلاثة بقيت الراية فقام رجلٌ من بني العجلان فقال أيها الناس اصطلحوا على قائد , لا يمكن أن يترك الناس من دون قائد والأمر يفوت أنت في معركة الآن , فقالوا: أنت أمير , قال: لا , فما زالوا يتبادلون الرأي ويأخذون المشورة حتى اصطلحوا يعني اتفقوا لأن الجيش فيه مهاجرون فيه أنصار فيه حديث عهدٍ بإسلام وفيه أعراب انضموا إليه يعني أخلاطًا والعرب كان فيها أنفة ما كل أحدٍ يقبلون إمرته.
فاصطلحوا على خالد وخالد مجرّب قال عليه الصلاة والسلام وهو ينعاهم قال: جاهد زيدٌ فأصيب وجاهد جعفر فأصيب وجاهد عبد الله ابن رواحة فأصيب وعيناه تدمعان ثم أخذ الراية سيفٌ من سيوف الله , فهذه أول تسمية لخالد بأنه سيفٌ من سيوف الله.
حارب يسيرًا وانحاز بالجيش وانحاز بالجيش بطريقته ليوهم العدو أنه سيكّر ويفر ويوهم العدو أنه هناك مددًا سيأتيه ويوهم العدو أنه هناك بعثٌ سيلحق به فالعدو ينحاز قليلًا وهو ينحاز جهة المدينة حتى رجع بالجيش إلى المدينة.
استقبلهم الصبيان المراهقون الناس فيها عاطفة والرأي العام ويقولون فرّار فرّار حتى أن بعضهم ما كان يستطيع أن يصلي جماعة في المسجد فقال صلى الله عليه وسلم: بل كرّار كرّار ليسوا فرار لأنهم الله جل وعلا قال: {إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ} , فعدّ النبي صلى الله عليه وسلم صنيع خالد من التحيز إلى فئة لأن المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيها هم فئة التي ينحاز إليها أولئك الكبار.
فعاد خالد رضي الله تعالى عنه بالجيش إلى المدينة , بدأت بعدها ظهور خالد إسلاميًا يبدأ يعني قبلها كان حديث العهد بالإسلام ثم ما زال رضي الله عنه وأرضاه ذا شأنٍ حتى قلّده أبو بكر ما قلده في حروب الردة وفي فتح الشام فأبلى بلاءً حسنًا ثم بدا لعمر .... وقال مات رضي الله عنه وأرضاه على فراشه يقول أحد المعاصرين:
وقبر خالد في حمصٍ نلامسه ... فيرجف القبر من زوّاره غضبًا
فرب حيٍ تراب القبر مسكنه ... ورب ميتٍ على أقدامه انتصب
يا ابن الوليد ألا سيفٌ تؤجره ... فكل أسيافنا قد أصبحت خشبَ
إذ طالعوا كتب التاريخ واقتنعوا ... متى البنادق كانت تسكن كتبَ.