الناس تناقلوا خبر أبي جهل, فلامت النساء العباس على ضفعه وإستكانته وأنه لم يرد على أبي جهل, فلما كان اليوم الثالث طاف العباس, وأقبل على أبي جهل, وأقبل أبو جهل عليه وكان أبو جهل حاد البصر, ما الذي فرق بينهما, مناداة ظمظم اللطيمة اللطيمة.
فالرؤية وقعت وإنتشرت لكن الله جل وعلا له حكمة وإلا لو جلسوا مع أنفسهم وقرؤا بإمعان تلكم الرؤية لما خرج أحد لكن والله غالب على أمره, فسل الله منهم عقولهم وقد كانت لديهم عقول, ولم يستشعروا الربط ما بين نداء ظمظم وما بين مطالبة ما وقع في الرؤية, فخرجوا ومن لم يجد بعث رجل مقامه فخرجوا نجى أبو سفيان إتخذ طريق آخر, بعث إليهم أن عودوا لكنهم أصر أبو جهل على أن يأتوا بدر قال يشرب الخمر, فشربوا الخمر كؤوس المنايا بدل من كؤوس الخمر, وتعزف عليهم القيام وبكت عليهم النائحة.
تسمع بهم العرب, شمتت بهم العرب, قال الله بطر ورياء الناس, فخرجوا حتى أتوا بدر, خرج صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن قريش خرجت ما كانت بيعة العقبة تنص نص صريح على أن الأنصار تنصره خارج المدينة.
فأحب أن يستوثق لنفسه, فقام المهاجرون يدنون حتى قال المقداد بن عمر رضي الله عنه وارضاه, لو خضت بنا .. لخضناه معك.
لكنه أحب أن يسمع رأي الأنصار فقام سعد بن معاذ وقال أحسن, فقال عليه الصلاة والسلام امضوا فإن الله وعدني بضائفتين واستبشروا أي إما النصر وإما الظفر بالعير.
هذا معنى إحدى الطائفتين, ليس النصر والشهادة, وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة, يعني لا يريدون النصر يريدون غنيمة العير.
ليقضي الله أمر كان مفعول, ليخرج النبي صلى الله عليه وسلم ومعه علي بن أبي طالب, وأبو لبابة, على بعير واحد يتناوبان, فيقولان له عندما يأتي حين أن يمشي هو يكفيك, فيقول ما أنا بأضعف منكما ولا أنتما بأرغب بالأجر مني, وهذا مثل عظيم يؤته صلى الله عليه وسلم لمن ينقل عنه سيرته, فهو نبي الأمة يبين حرصه على الأجر.
العابد لا يمكن أن يزهد للحظة في ما عند الله من الأجر ولا بد أن يفضح الناس, أن العباد على ضربين, عبادة محضة وعبادة غير محضة, فالعبادة المحضة لا يحسن بك أن تقدم على نفسك فيها أحد كائن من كان ولا حتى والديك, ولا حتى والديك, ليس فيها إثارة, غير ذلك ممكن أن يدخله الإثارة, وهو في المسجد لا ينبغي أن يقدم أحد على نفسه فوصل إلى بدر, سبق المسلمون غيرهم من الكفار إلى الآبار بدر, طووها إلى بئر حاموا حوله, وأنزل الله مطر هنا أتكلم بإجماع أنزل الله مطر فكان رحمة بالمؤمنين حسرة على الكافرين ثبت الله به أقدام المؤمنين, مكث صلى الله عليه وسلم في عريش بنوه له, فأخذ يدعو الله, ويلح على ربه, اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا.
فحزن الصديق عليه, قال يا رسول الله بعد مناشدتك ربك, وصلى الله عليه وسلم يلح ثم بشره الله بالنصر, فبشر الناس وامضوا واصبروا فإني أرى مصارع القوم.
ولما كان صباح يوم الجمعة السابعة من شهر رمضان بين صلى الله عليه وسلم مصارع القوم, فوالله ما أخطأ أحد مصرع يعنه صلى الله عليه وسلم.
صف الجيش, معه قدح يسوي به الصف, وتعمد سواد بن غزية أن يتقدم, فرده صلى الله عليه وسلم, فقال يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالعدل, فكسر صلى الله عليه وسلم عن بطنه وقال اقتدي, استقد يا سواد, فظم وقبل, قال ما حملك على هذا يا سواد, قال يا رسول الله قد حضر ما ترى, يعني مظنة موت, مظنة فراق, وأحببت أن يكون آخر عهدي بالدنيا أن يمس جسدي جسدك.
هنا لحقته البركة, عمر شاهد المشاهد كلها رضوان الله تعالى عليه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
جاءه عمير بن أبي وقاص, كان عمره ستة عشر عام, فرده, فبكى فقبله واستشهد رضي الله تعالى عنه وأرضاه, أن يستشهد فتى في السادسة عشرة, في غزوة مثل بدر, مع رسول الله صلى الله عليه وسلم منقبة وأي منقبة.
بمعنى أن الله خلق الجنة وخلق لها أهل وجل وعلا أعلم بهم بصلاح قلوبهم وسرائرهم وأنهم خلقهم أطهار أهل ليسكنوا جنته, ثم أوصى صلى الله عليه وسلم الجيش بأن لا يسلوا السيوف حتى يلتحم الجيشان, كان القرشيون يرون المؤمنين قلة, حتى يبدؤوا بالقتال, فكان أبو جهل يقول لا حاجة للقتال وثقوهم, والمؤمنون يرون الكفار قلة حتى لا يصيبهم الوهن وهم أكثر من ألف رجل, ثم إلتحم الجيشان, كما أخبر ربنا تبارك وتعالى, قبل ذلك وقعت المبارزة.
فقدم النبي صلى الله عليه وسلم آل بيته, ولم يدخره لنفسه, علي وحمزة وعبيدة بن الحارث, وهم كلهم من آل بيته, حمزة عمه, وعلي بن عمه وأبو عبيدة من بين المطلب من أبناء عمومته.
فكان ما كان أن غلب أؤلائك القوم ثم إلتحم الجيشان, وسمى الله هذا اليوم بيوم الفرقان, وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان وهذا أعظم مشاهد الدنيا منذ أن خلق الله الأرض, ولم تكن هناك راية أعظم وأجل من راية بدر.
كان تحتها من الملائكة جبريل وخيار الملائكة, ومن البشر محمد بن عبد الله وأبو بكر وعمر وعلي وسعد بن معاذ, وهؤلاء من خيار الخلق, فلا راية أعظم من راية بدر, قال كعب بن مالك, وبيوم بدر حين تمحن وجوههم, جبريل تحت راية ومحمد وبيوم بدر حين تمحى وجوههم جبريل تحت لوائنا ومحمد, ثم نصر الله دينه وكتابه وأعز جنده, قال لله لكن نصركم الله ببدر وأنتم أذلة وكان هذا في السابع عشر من شهر رمضان في يوم جمعة ولم يكن المسلمون يوم إذ صائمين, بدليل أن عمير بن الحمام أكل من التمرات.
هذا على وجه الإجمال ممن يعرفه الناس جميعا, من يوم بدر.
أما ما فيه من العظات والعبر فالله جل وعلا غالب على أمره, يقول عن نبيه, كما أخرجك ربك بالحق ولم يكن قريش تريد قتال ولا المسلمون لكن ليقض الله أمر كان مفعول ليهلك من عن بينة ويحيى من عن بينة.
من مات من المسلمين ظفر بأعلى المقامات, شهداء يذكرون ويمجدون إلى يوم القيامة.