مسجده والمواطن التي مضى فيها صلى الله عليه وسلم ومشى, قال القاضي عياض رحمه الله بلدة مشى فيها جبرائيل وميكائيل, وشهدت معالم التنزيل, فهذا بعض من ما قيل وذكر من أخبار في هذه المدينة المباركة, مدينته صلوات الله وسلامه عليه.
المقدم: ما زالت المدينة يا شيخ حتى الآن يعني وأنت من سكانها يشعر أهلها بهذه الراحة وهذه السكينة.
الشيخ: هذا ولله الحمد باقي إلى الأبد, وقد قال بعض مشايخنا في هذا لطيفة, أن الله جل وعلا قال عن أهل الجنة, إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا, خالدين فيها لا يبغون عنها عولا.
فقال إن المدينة فيها قطعة من الجنة, ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة, فقالوا إن وجود هذه القطعة من الجنة في المدينة, تجعل من يأتيها وهو على الفطرة وهو على الدين, حسنت سريرته وصدقت نيته, يحب أن يقطنها, يحب أن يسكنها, وقد قال صلى الله عليه وسلم, من إستطاع منكم أن يموت في المدينة فليفعل فإني أشفع لمن مات فيها, وفيها أوديتها مباركة .. أتاني آتي من ربي فأمرني أن أصلي ركعتين في هذا الوادي المبارك وأقول عمرة في حجة, ويأتي الجبل فيقول هذا أحد جبل يحبنا ونحبه.
إلى غير ذلك من الأذكار الشهيرة المذكورة فيها.
المقدم: وصلنا في سرد هذه السيرة المباركة إلى أن دخل الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة وصاحب دخوله بعض الأحداث التي أشرت إلى بعضها إلى أن استقرت به الناقة في تلك الحادثة الشهيرة.
الشيخ: صنع صلى الله عليه وسلم أمور نظام فيها أول دخوله, ونحن نتحدث عن النبي في المدينة, أول ذلك بناء المسجد, ولم يكن المؤمنون في مكة يصلون جماعة, كانوا يصلون خفية, وما عرفوا المسجد الحق الذي يأمونه إلا في المدينة, في مسجد قباء, ولكن مسجد قباء في منطقة يقال لها قباء, سميت بهذا الإسم قبل قدومه, ولكنه صلى الله عليه وسلم بعد أن سكن في دار أبي أيوب سأل عن المكان الذي بركت فيها الناقة, فأخبر أنها ليتيمين من الأنصار في حجر أسعد بن زرارة, فاشتراهما منهما, وكانت فيها خرب, فسويت, وقبور فنبشت, ونخل فقطع, وبنى المسجد صلى الله عليه وسلم.
ووضع لبنته بيده, وجعل قبلته شمال إلى بيت المقدس, وجعل له بابين, وبنى حجرات أمهات المؤمنين إلى الشرق منه, حجرة لسودة, وحجرة لعائشة أول الأمر, وبنى فاطمة وعلي بجوارهما.
بعد أن زوج فاطمة لعلي, ثم إن صلى الله عليه وسلم لما بنى مسجده, بدأ المسلمون يحفون هذا المسجد, فما هي إلا أشهر فيرى عبد الله بن زيد رؤية, فيكون الأذان فيلقيه على بلال, فيتغير الوجه التعبدي, أصبح هناك أذان يرفع, قل إنهم رؤوا مسجد من قبل في مكة, ورؤوا مسجد من قبل في قباء, ولكن لم يكن هناك أذان يرفع, فكان من أعظم ما من الله به على الأمة هذا الأذان الذي يرفع عبادة وهو من أعظم شعائر الدين.
والنبي صلى الله عليه وسلم علمنا ماذا نقول لما يقول المؤذن, لكن ينبغي أن يعلم أنه لا يسع مؤمن يسمع حي على الصلاة حي على الفلاح ولا يجيب إلا من عذرجاء به الشرع كالحالة البدنية في المرض, أو الحالة الوضعية مثل السفر.
أو الخوف, فيجيب المؤمن المؤذن كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع, فبنى مسجده ليكون دار عبادة ودار تقوى, قريب من بيته وبنى حجرته إلى الشرق منه وقال مقطوعة من المسجد ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة.
إختلف العلماء في المعنى, الصواب أنها قطعة من الجنة, لأنه لو قلنا أن الروضة هي بمعنى حلق الذكر فهذا لا يمكن إختصاصه بالموطن ما بين البيت والروضة, لأن هذا يشمل المسجد كله بل يشمل كل حلقة علم في مساجد المسملين, فهذا من الناحية التعبدية, فرض الصيام في السنة الثانية من الهجرة, قبل نهايتها وفرضت الزكاة, بدأت أركان الدين تلتئم ولم يفرض الحج بعد ذلك, سيأتي إن شاء الله في عبادته صلى الله عليه وسلم, هذا على الوجه التعبدي, على الوجه السياسي, أقام صلى الله عليه وسلم دولة الإسلام, فنظر في اليهود وهم ثلاث قبائل, بنو قينقاع وبنو النظير وبنو قريضة.
فكتب معهم عهد على أن هذا الأرض يشترك الجميع بحمايتها, بدأ صلى الله عليه وسلم يضع أسس الدولة, التي لم تكن معروفة بجزيرة العرب, بل كانت القبائل هي التي تحكم, وأحيانا على بكر أخونا إن لم نجد إلا أخانا, كانت الأعراف السائدة في الجاهلية, أن الغلبة للقوي والظلم قائم.
ولهذا قال الله تعال, فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم, أي لم تقبلوا هذا الدين ستعودون إلى ما كنتم عليهم يضرب بعضكم رقاب بعض, إلى حميةا لجاهلية.
والإقتتال الذي كان بينكم الحرب الغبراء بين عبس وذبيان مكثت أربعين سنة, منها ثمانية عشر عام قالوا لم تحمل فيها أنثى, كان الرجال يحرمون على أنفسهم أتيان النساء, حتى يلحقوا بالثأر.
وكانت المدينة صلى الله عليه وسلم يوم ضعاف, فيه كبار الأوس والخزرج, كل هذا بدله الله تعالى عنهم وبدلهم أخوة الدين.
فهذا الأمر من الأمر السياسي والإجتماعي في وقت واحد آخى صلى الله عليه وسلم بين الأنصار والمهاجرين, والمهاجرين كانوا قرابة تسعين رجل.
آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم وبين إخوانهم من الأنصار, وجعل التوارث بالإخوة لا بالرحم.
إلى أيام بدر, بعد ذلك مسخ, وإلا الأول كان التوارث بالأخوة, وأورد صلى الله عليه وسلم اختص علي بنفسه, فأخذ لنفسه وبين علي, والمراد جمع النبي صلى الله عليه وسلم القلوب على شيء واحد, وقد بينا أنه منذ دخوله لم يشأ أن يفرق بين الأوس والخزرج, وكانوا يقول خلوا سبيلها فإنها مأمورة.
بدأ المجتمع يتكون أعظم ما أسس عليه العقيدة التي تبنى على أنه لا يعبد مع الله جل وعلا غيره.