وجاء بأخبار إدريس أنه كان يرفع له في اليوم الواحد ما يرفع من عمل صالح لأهل الأرض كلهم , والإنسان العاقل إذا أوى إلى فراشه ولجئ إلى مضجعه أن ينظر ما الذي رفع له من عمل صالح في ذلك اليوم , فكان له أخ من الملائكة على ما قال بعض أهل الأخبار , فقال إدريس لذلك الملك: أحب أن أرى ملك الموت , فحمله الملك معه إلى السماء حتى إذا كان في السماء الرابعة إذا بملك الموت هابط فقال الملك الذي أتى بإدريس: هذا ملك الموت يعرفه لإدريس وقال لملك الموت هذا إدريس , وقال ملك الموت: سبحان الله أمرت أن أقبض روح إدريس في السماء الرابعة , فقلت أين إدريس من السماء الرابعة , فقبض روحه في السماء الرابعة هذا على ما قيل في تفسير قول الله جل وعلى {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيّا وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا}
يعني لما كان يرفع له من عمل صالح , هارون كان محببا في قومه ولين وموسى عليه السلام علمنا ما يعرف في العلم التجريبي , حيث أن الأشياء تعرف في التجارب وهذا شرع شرعه الله في أن نفقه , كما أن الإنسان إذا جرب عليه الكذب لا يلام الناس أن لا يقبله منه , ومن جرب عليه صدق فالناس معذورون أن يأخذوا عنه.
والنبي الله يعقوب عندما أتمروا أخوته على انه يوسف وكذبوا جاءوا بعد ذلك وقالوا أن يشيع صنع كذا وكذا , ولم يصدقهم مع أنهم كانوا صادقين , ولكن لأنه جرب عليهم الكذب من قبل , فكذبهم في الأول كان سببا في عدم قبولهم في الثاني.
قال هل علمتم ما فعل ,ذكرهم بحال الأول فهم اللذين أتوا بي المذمة على أنفسهم , لقي في السماء السابعة إبراهيم وأسند ظهره إلى البيت المعمور , والجزاء من جنس العمل , إبراهيم بني لله الكعبة ورفع القواعد من البيت فكوفئ بأن يستند إلى البيت المعمور , وهذا ينظر لإنسان فيه أن الجزاء من جنس العمل إن كان خيرا وإن كان شرا , فجعفر قطعت ذراعه بأن له جناحان في الجنة , وإبراهيم مات أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يتم الرضاعة فله من يرضعه في الجنة , وكذلك والعياذ في الله من أدمن الخمر يأكل من طينة الخبال عصارة أهل النار.
يبقى السؤال هل يبقى النبي السؤال هل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه يوم المعراج أم لم يره وهذا على خلاف بين العلماء , والذي نذهب إليه أنه لم يرى ربه لدليلين ظاهرين أن الله جل علا قال {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}
وقال في صورة النجم {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}
فلو كان للنبي صلى الله عليه وسلم قد قدر له أن يرى وجه ربه الأكرم لكانت المنة عليه مثل الأولى , وراية وجه الله أعظم عليه براية آيات الله صلوات الله وسلمه عليه , وفي رحل المعراج رأى صلوات الله وسلمه عليه جبرائيل مرة أخرى على هيئته التي خلقه الله جل وعلا عليه وقد قال الله جل وعلا (ولقد راعه في الأفق المبين) .
قدم مسروق أبن الأجدع على عائشة وقال يا أم المؤمنين هل رآه محمد صلى الله عليه وسلم ربه قالت من حدثك بهذا فقد كذب , قال: يا أماه ألم يقل الله {وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} , وآه مرة أخرى ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرت المنتهى , فهذه الرحلة كانت كرامة له صلوات الله وسلمه عليه.
المقدم: في هذه الرحلة فرضت الصلاة وشرعت هذا يضيف إلى هذه الصلاة شاعرة عظيمة أهمية لأنها فرضت من السماء عند سدرت المنتهى.
الشيخ: وهذا يجعلها يختص عن غيرها من العبادات فالزكاة والحج والسائر التكاليف كان جبرائيل ينزل بها , أما الصلاة فقد عرج به وهناك كلف في الصلاة , حتى يعلم الناس عظيم هذه الفريضة وجليلة في دين الله تبارك وتعالى.
المقدم: أيضا فيما يتعلق في هذا الرحلة , أنها انتشرت حتى أن الأدباء والشعراء تغنوا بها وأصبحت ثقافة أدبية.
الشيخ: نعم أصبحت ثقافة أدبية , لأنها الناس فطروا على محبة الله صلى الله عليه وسلم , وهذه خاصية له رحلة الإسراء والمعراج , لا يتعلق بها شيء إلا أننا نفرح لكرامة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لكن المدائح النبوية أصابها شيء من الحيدة بل الكثير من الحيدة في بعضها , كان ينبغي أن تكون علي , وما لله لا يصرف إلا لله , ومهما كانت محبتنا وإجلالنا للرسول صلى الله عليه وسلم لا يبغي أن نحيد به أو أن نرفعه فوق ما ولا نقول أن نرفعه لأننا بهذا نضعه منه من دون أن نشعر , لأنه يكفيه مقام ما أختاره الله له صلى الله عليه وسلم.
المقدم: تقصد الغلو.
الشيخ: نعم , ولكن ومع ذلك قال بيت جميل (قال سريت ليلا من حرما إلى حرما كما سرى البرق في داج من الظلم)
المقدم: عندما تروا هذا القصة صاحب الفضيلة من قبل بعض الوعاظ والقصاص كقصة لتسلية دون الإشارة إلى ما ذكرته من الاستنباط والدروس.
الشيخ: الأمة عنيت في كتب الأحاديث وشروحها , واستخلصوا من هذا القصة مئات القصص والعبارات , ولولا أن المقام مقام تاريخ أكثر منه مقام فقه لذكرت شيء من هذا لكنها هي عطاء عظيم من ربا كريم لنبي جليل صلى الله عليه وسلم وقد بينا شي من بعض العظات والعبر فيها , وإلا فهي غنية وثرية مما يمكن أن يستنبط الإنسان فيها.
كون الإنسان يعلم أنه الطارق أفضل مما هو قادم عليه , لكن مع ذلك فأن الله يقول {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ}
هذا خازن السماء وهو مسئول عنها , ويعلم أنه ليس بأفضل من جبريل ولا من محمد عليهما السلام , ولكن هو الذي يملك الأمر , وهو المسئول عن هذا الباب وعليه أن يستأذن ويطرق وأن يستفتح وعليه أن يقبل أو لي يقبل , فهذا حق مشروع له ولا يمكن أن نقدم على الناس وأن نطالب منهم بأسمائنا أو بجاهنا أن نطالب منهم ما يكلفون به.