كذلك أنهم كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم ويُسمعونه أذى القول وأذى الفعل لعله يرجع , لجئوا إلى عنه أبو طالب يشكونه إليه يعلمون أن أبا طالب له مناعته وقوته مهما ذلك تمت أعراف تحكم المجتمع الجاهلي ما كان لهم أن يفروا منها فلجئوا إلى تلك الطرائق ان ابن أخيك يسفّه أحلامنا ويعيب ديننا ويشتم آباءنا إلى غير ذلك كلها طرائق اتبعتها قريش لتصد عنها.
كيف لجئ إليها المسلمون؟ , بطرائق عدة منها اتخاذ دار للعبادة وكانت دار الأرقم ابن أبي الأرقم , منها الإذن بالهجرة إلى الحبشة كان فيها ملكًا صالحًا يعبد الله فذهب أقوام إلى عبادة الله تبارك وتعالى هناك , منها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو الله جل وعلا أن يعز الإسلام بأتباع أكثر حتى تقوى الشوكة اللهم أعز الإسلام بعهد الأمرين فكان إسلام عمر.
فهذه آثار تقابلها طرائق من الفريقين من المؤمنين والكافرين , وكلها تمضي بصورة تدريجية والله لا يعجل لعجلة أحدٍ من خلقه.
وفي ثنايا هذه الأحداث تقع أمور يعرف منها الإنسان كيف يستهدي بالدين وهو المقصود بمثل هذه اللقاءات , يذهب الناس إلى الحبشة يبقى من هذا الفهم أنه هناك قومًا في كل عصر محايدون ينبغي للعاقل أن يعرف كيف يتعامل معهم وأن لا يخسرهم فلم يكن النجاشي مؤمنًا قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم إليه أحدًا لكنه أرضًا كانت أرض حياد فجعلها النبي صلى الله عليه وسلم مأوى ملاذًا للمؤمنين فإن فيها ملكًا صالحًا , ثم كان ذلك سببًا في إسلامه.
ومنها الإنسان إذا أراد أن يقدّم الدين يقدّمه بصورته المثلى فلما بعثت قريشًا عمر ابن العاص عمر ابن العاص وقتها قبل إسلامه كان يمثّل الدهاء الذي قابل به الكفّار المؤمنين , أبو جهل كان يمثّل الجبروت , الوليد كان يمثّل الفصاحة , العاص ابن وائل كان يمثّل العناد.
فهم يأتون في طرائق عدة لثني الناس كلٌ بحسبه وقدرته , فبعثوا عمر ابن العاص لدهائه وما زال عمر بالنجاشي حتى اضطره إلى أن يستدعي جعفر , فلما جاء جعفر ابن أبي طالب قدّمه وقرأ على النجاشي فواتح سورة مريم , وهو يعلم أن النجاشي نصراني وأن النصارى في دينهم بمذهبهم في أصل معتقدهم تعظيم مريم وابنها وجاءهم بالطريقة التي يغلب على الظن.
لم يقل قائلًا يومئذٍ أن هذا لين أو مداهنة لأن العاقل لا يضع قدمه اليمنى حتى يعلم موضع يده اليسرى لا بد أن ينظر في المصلحة العليا للأمة فتجلب والمفسدة العليا للأمة فتدفع , و لا بد ان يقع ما بين هذا وهذا شيءٌ في الطريق لا بد منه لا يمكن ان يسلم لك كل شيءٍ بكله محال.
الله يقول في نبيه: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ} , ما جمع الله لنبيه الطائفتين حتى يجمعها لنا ولا يوجد في الدنيا خيرٌ محض ولا شرٌ محض إنما هذا في الجنة والنار يوم يقوم الأشهاد ويحشر العباد ما دون ذلك لا بد من شيء ولا بد دون الشهد من إبر النحل.
الموّفق والقائد البصير الذي يتبع سنة النبي صلى الله عليه وسلم ويكون على علمٍ بسيرته يعلم هذا , بماذا يبتلى أمثال هؤلاء الموفقون؟ , يبتلون بأنصاف الطلبة الذي يريدها خيرًا محضًا فيأتي لهذه التي ما بين الوَكَس هذا الذي بين ودفع المفسدة وجلب المصلحة ما يسقط في الطريق أو ما يقع من شيئًا يتلبس به الأمر لا بد منه فيجعله وبالًا عارًا عليك ويعيّرك به ويرى أنك جلبت الشر للأمة به هو لا ينظر إلى المصلحة العليا التي جلبت ولا للمفسدة الأعظم التي دفعت.
وهؤلاء من أشد الناس ضررًا على الدين ولو حسنت نياتهم , لكن ينبغي أن يعلم أنه لا بد من قراءة فقهية صحيحة لسنة نبينا صلى الله عليه وسلم حتى يعبد الله جل وعلا على بصيرة.
فالدعوة جهرًا تنفعنا لأن الدعوة لدين الله جهارًا , لا بد من فقهها جيدًا حتى نستلهم منها العظات نستلهم منها العبر نعرف منها كيف ندعو إلى دين نبينا صلى الله عليه وسلم كما دعا صلوات الله وسلامه عليه وكما كان أصحابه رضوان الله عليه يتمثلون به كموقف جعفر رضي الله تعالى عنه أمام النجاشي.
على الوجه الآخر ليس كل واحدٍ يقدر على الهجرة فلو كانت الهجرة واجبًا محضًا لما بقيت على الثمانين لما لم يهاجروا جميعًا؟ , وهذا مر معنا أن التكليف يختلف بحسب قدرات الناس بحسب قناعاتهم منهم من يقدر على أن يعيش في مكة لعزوة عنده دون أن يخسر شيئًا أو يخسر نسبةً أقل لكن منهم من لا يستطيع أن يقدر حاله غير حال هذا.
فلا بد أن نعرف أن الناس أحوالهم تختلف فعندما نحاسبهم نكون على بينة وبصيرة في الدين وهذا كله عمدته الأصل فيه فقه السيرة أو فقه القرآن , فالله جل وعلا يقول: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} , ما يأتي أحد يقول ان الله رخّص في اللمم والله لم يرخصّ في اللمم , ولا يأتي إنسان لا تضر هذه لمم الله ما أراد هذا أراد فقط أننا إذا نظرنا إلى صاحب الكبيرة لا نعامله كما نعامل صاحب اللمم لم يرد الله الترخيص في اللمم يخبر بضعفنا وسعة رحمته.
مثلها قراءة هذه الآيات بهذه الطريقة مثلها قراءة سيرته صلى الله عليه وسلم فهو جهر بدعوته وبذلته قريش بطرائق عدة ومنها تسفيه آرائه والقول بأنه صبأ والسخرية من أولئك المؤمنين والقرآن خلّد هذا كله.
جاء الرد القرآني في قضية المقارعة بالحجة {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ 35} أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ {36} أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ {37} أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَاتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ {38} أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ {39} أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ {40} أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ {41} .
هذه تمثّل جانب المحاورة العقلية ويحتاجها الداعية إلى الله جل وعلا , هم أنفسهم لجئوا إلى السخرية من ذلك أنهم قالوا لنبينا صلى الله عليه وسلم وهذا أخبر به القرآن , قالوا نحن الآن في أرض جبلية وأنت تقول أنك نبي وتلقى على الصفا وتدعو لنا الآن تعلم حاجة قومك في أرض جبلية إلى الماء نريد ماء نريد جنات نريد أنهار.
هم يقولون ساخرين نعلم أنك لا تستطيع الآن لا تغنينا أغنِ نفسك أخرج لنفسك جنة أنت تأكل منها بدلًا من أن تذهب في السوق وتبيع وتشتري , وكل مرة يتنازلون كأنهم يتنازلون في المطلب إلى الأدنى.