فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 87

قال الله جل وعلا عن نوحٍ وقومه: {مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّايِ} وفي خبر صالح: {لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ} .

فهذا حال الأتباع الأنبياء في الغالب يكون الفقراء البؤساء ضعفاء , فالوليد ابن المغيرة كان يمثّل قريش في المفاوضات القولية ويخاطب النبي صلى الله عليه وسلم فيقرأ عليه البني صلى الله عليه وسلم القرآن فيتغير , فيلجئ فيعود إلى قريش وقريش تعظّمه فلما عظّمته قريش ورأت أنه يكاد يميل عيرّته بأمورٍ لا يقبلها الرجل الأنّفِ أقول في مذهبهم في مبادئهم التي كانوا يؤمنون بها.

قال الله عنه: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا 11} وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا {12} وَبَنِينَ شُهُودًا {13} وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا {14} ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ {15} كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا {16} .

لا يجب لا ينبغي أن نقرأ هذه الآية ونسكت , معنى ذلك أن الكبر وعناد الآيات من أعظم أسباب المهالك , فالله يقول كلّا أي لن أعطيه كما يريد , ثم بيّن السبب {كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا} .

لما تخضع رقابنا لأوامر الله لآيات الله نكون أقرب إلى رحمته , فإن وجد فينا عياذًا بالله الكبر والعناد والاستكبار نكون أبعد عن رحمة الله.

ثم قال الله جل وعلا: {كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا 16} سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا {17} إِنَّهُ , أي الوليد , {فَكَّرَ وَقَدَّرَ 18} فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ {19} ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ {20} .

وقال الله أدبر استكبر بسر .. يعني يجمع وجهه ويقطّب إن هذا إلا سحرٌ يؤثر , ما رضيت قريش بهذا تريد إجابةً أشد صراحة , قال: ان هذا إلا قول البشر , فجعل الكلام المنزّل من فوق سبع سماوات تكلّم الله به حقيقة على الوجه الذي يليق بجلاله وعظمته جعله مثل أي قولٍ من أقاويل الناس , فأي فرية وعناد وكذب وكفر أعظم من هذا؟.

فلهذا توعدّهم الله بل قال بعض أهل العلم أنه لم يُذم في القرآن أحد كما ذُم هذا الرجل , فهذا أسلوب اتبعته قريش حتى لا نستطرد أكثر وهو أسلوب المفاوضات.

لجئوا بعد ذلك إلى الحصار كما وقع في شعب بني هاشم لما حاصروا بني هاشم الشعب مؤمنهم وكافرهم باستثناء أبي لعب , لجئوا إلى طريقة أخرى عدم التزويج فكان عتبة أبناء أبي لهب وأخاه يريدان أن يتزوجا ابنتي النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء صلى الله عليه وسلم بالدعوة فضّ هذا وهم الخاسرون فضّ هذا الأمر.

هذه أساليب اتبعتها قريش من كان تحته أحدًا من الموالي من المؤمنين الأرقّاء والفقراء والبؤساء عذبّهم وزاد في تنكيلهم كما وقع لأمية مع بلال وأبي جهل مع سمية وزوجها وابنها , هذه من الطرائق التي اتبعتها قريش.

كذلك أنهم كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم ويُسمعونه أذى القول وأذى الفعل لعله يرجع , لجئوا إلى عنه أبو طالب يشكونه إليه يعلمون أن أبا طالب له مناعته وقوته مهما ذلك تمت أعراف تحكم المجتمع الجاهلي ما كان لهم أن يفروا منها فلجئوا إلى تلك الطرائق ان ابن أخيك يسفّه أحلامنا ويعيب ديننا ويشتم آباءنا إلى غير ذلك كلها طرائق اتبعتها قريش لتصد عنها.

كيف لجئ إليها المسلمون؟ , بطرائق عدة منها اتخاذ دار للعبادة وكانت دار الأرقم ابن أبي الأرقم , منها الإذن بالهجرة إلى الحبشة كان فيها ملكًا صالحًا يعبد الله فذهب أقوام إلى عبادة الله تبارك وتعالى هناك , منها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو الله جل وعلا أن يعز الإسلام بأتباع أكثر حتى تقوى الشوكة اللهم أعز الإسلام بعهد الأمرين فكان إسلام عمر.

فهذه آثار تقابلها طرائق من الفريقين من المؤمنين والكافرين , وكلها تمضي بصورة تدريجية والله لا يعجل لعجلة أحدٍ من خلقه.

وفي ثنايا هذه الأحداث تقع أمور يعرف منها الإنسان كيف يستهدي بالدين وهو المقصود بمثل هذه اللقاءات , يذهب الناس إلى الحبشة يبقى من هذا الفهم أنه هناك قومًا في كل عصر محايدون ينبغي للعاقل أن يعرف كيف يتعامل معهم وأن لا يخسرهم فلم يكن النجاشي مؤمنًا قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم إليه أحدًا لكنه أرضًا كانت أرض حياد فجعلها النبي صلى الله عليه وسلم مأوى ملاذًا للمؤمنين فإن فيها ملكًا صالحًا , ثم كان ذلك سببًا في إسلامه.

ومنها الإنسان إذا أراد أن يقدّم الدين يقدّمه بصورته المثلى فلما بعثت قريشًا عمر ابن العاص عمر ابن العاص وقتها قبل إسلامه كان يمثّل الدهاء الذي قابل به الكفّار المؤمنين , أبو جهل كان يمثّل الجبروت , الوليد كان يمثّل الفصاحة , العاص ابن وائل كان يمثّل العناد.

فهم يأتون في طرائق عدة لثني الناس كلٌ بحسبه وقدرته , فبعثوا عمر ابن العاص لدهائه وما زال عمر بالنجاشي حتى اضطره إلى أن يستدعي جعفر , فلما جاء جعفر ابن أبي طالب قدّمه وقرأ على النجاشي فواتح سورة مريم , وهو يعلم أن النجاشي نصراني وأن النصارى في دينهم بمذهبهم في أصل معتقدهم تعظيم مريم وابنها وجاءهم بالطريقة التي يغلب على الظن.

لم يقل قائلًا يومئذٍ أن هذا لين أو مداهنة لأن العاقل لا يضع قدمه اليمنى حتى يعلم موضع يده اليسرى لا بد أن ينظر في المصلحة العليا للأمة فتجلب والمفسدة العليا للأمة فتدفع , و لا بد ان يقع ما بين هذا وهذا شيءٌ في الطريق لا بد منه لا يمكن ان يسلم لك كل شيءٍ بكله محال.

الله يقول في نبيه: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ} , ما جمع الله لنبيه الطائفتين حتى يجمعها لنا ولا يوجد في الدنيا خيرٌ محض ولا شرٌ محض إنما هذا في الجنة والنار يوم يقوم الأشهاد ويحشر العباد ما دون ذلك لا بد من شيء ولا بد دون الشهد من إبر النحل.

الموّفق والقائد البصير الذي يتبع سنة النبي صلى الله عليه وسلم ويكون على علمٍ بسيرته يعلم هذا , بماذا يبتلى أمثال هؤلاء الموفقون؟ , يبتلون بأنصاف الطلبة الذي يريدها خيرًا محضًا فيأتي لهذه التي ما بين الوَكَس هذا الذي بين ودفع المفسدة وجلب المصلحة ما يسقط في الطريق أو ما يقع من شيئًا يتلبس به الأمر لا بد منه فيجعله وبالًا عارًا عليك ويعيّرك به ويرى أنك جلبت الشر للأمة به هو لا ينظر إلى المصلحة العليا التي جلبت ولا للمفسدة الأعظم التي دفعت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت