إن النفس تبقى بعد الموت سرمديًا، إما في لذة عظيمة إذا كانت كاملة زكية، وإما في ألم عظيم إذا كانت ناقصة ملطخة. أو يتفاوت الناس في درجات الألم واللذة كما يتفاوتون في المراتب الدنيوية. والسعادة تنال بالكمال والتزكية، والكمال يحصل بالعلم، و الزكاء بالعمل.
والنفس الجاهلة المنشغلة بالبدن وشهواته في الحياة الدنيا، تتألم في الآخرة بفوات اللذة النفسية، وإن لم تحس بالألم في حياتها؛ فلأن البدن يلهيها وينسيها ألمها، كالخدر الذي لا تحس بالنار. فاللذات الجسدية حقيرة بالاضافة إلى اللذات الروحانية العقلية، والدليل على ذلك أن الملائكة التي ليست لها اللذات الحسية هي أشرف حالًا من البهائم. كما أن الإنسان نفسه يؤثر اللذات العقلية على الحسية، فيهتم بالغلبة دون الأنكحة والأطعمة،
وبالحشمة دون قضاء الوطر، وبلذة الثناء والإطراء دون خطر الموت.
وتزكية النفس تتم بالعمل والعبادة. فالنفس المواظبة على الشهوات تنال الأذى، لعجزها عن الأتصال بالملائكة، ولعجزها عن تحصيل اللذة الجسمانية المعتدلة بعد أن تستلب منها آلتها، وهي البدن لذلك وجب الإعراض عن الدنيا، والاكتفاء بتوسط الشرع في الأخلاق، كالجواد الذي هو وسط بين البخل والتبذير، والشجاعة التي هي وسط بين الجبن والتهوّر.
إذن، السعيد من الناس من جمع فضيلتي العلم والعمل. والهالك من عُدِِِِِم هاتين الفضيلتين. ومن له فضيلة العلم دون العمل فهو العالم الفاسق الذي يتعذب مدة ثم لا يدوم لكمال نفسه بالعلم. ومن له فضيلة العمل دون العمل يسلم وينجو عن الألم، لكنه لا يحظى بالسعادة الكاملة.
ومن مات بنظر الفلاسفة قامت قيامته.
والجواب بنظر الغزالي، أن"أكثر هذه الأمور ليس على مخالفة الشرع. فإنا لا ننكر أن في الآخرة أنواعًا من اللذات أعظم من المحسوسات، ولا ننكر بقاء النفس عند مفارقة البدن، ولكنا عرفنا ذلك بالشرع ... وإنما أنكرنا عليهم من قبل دعواهم معرفة ذلك بمجرد العقل". لكن الذي يخالف الشرع هو إنكار حشر الأجساد، وإنكار