الصفحة 32 من 34

اللذات وللآلام الجسمانية في الجنة والنار. فالجمع بين السعادتين، الروحانية والجسمانية متحقق. والأمثال التي ضربت في ذلك لا تحتمل التأويل.

وذهبت الفلاسفة إلى أنه لو قُدَّر بعث الأجساد، لكان ذلك:

-إما بجمع مادة البدن التي تبقى ترابًا، وتركيبها وخلق الحياة فيها ابتداءً.

-وإما يردّ البدن الأول بجمع أجزائه، على أن النفس موجود يبقى بعد الموت.

-وإما بردِّ النفس إلى البدن، أي بدن كان؛ لأن الإنسان إنسان بالنفس.

وهذه الأقسام الثلاثة باطلة، لأن استئناف الخلق بحسب القسم الأول هو إيجاد لمثل ما كان لا لعين ما كان. وجمع أجزاء البدن بحسب القسم الثاني يؤدي إلى معاد الأقطع، ومجذوع الأنف وناقص الأعضاء، وهذا مستقبح بحق أهل الجنة، كما أن أجزاء البدن تندثر وتختلط بغيرها من الأبدان وتدخل في بعضها البعض. وبطلان القسم الثالث حاصل لأن الأبدان المتناهية لا تفي بالأنفس غير المتناهية، ولأن توارد النفس على أكثر من بدن هو قول بالتناسخ، والتناسخ باطل.

واعترض الغزالي على أوجه الاستحالة هذه:

باختيار القسم الثالث وإقراره، شرعًا. فالنفس باقية بعد الموت، وذلك"دلّ عليه الشرع في قوله:"

(وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) [1]

وردّ النفس ممكن إلى أي بدن كان، سواء كان من مادة البدن الأول أو من مادة استؤنف خلقها. فالمهم هو النفس، لا البدن الذي يتبدل من الصغر إلى الكبر، بالهزال والسمن وغير ذلك. والتناسخ ينكره الشرع، أما البعث فلا ينكره، فان سمي البعث تناسخًا فلا مشاحة في الأسماء. والله قادر على تدبير الأمور. [2]

(1) - آل عمران 169.

(2) - مشكلة الصراع 157 - 159. تهافت الفلاسفة 274 - 282.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت