والعدم واقع مضاف إلى القدرة، فإذا وقع حادث بإرادة قديمة لم يفترق بين أن يكون الحادث عدمًا أو وجودًا [1] .
وهكذا نرى الغزالي مرة أخرى يدحض حجج وتعلقات الفلاسفة في مسألتي القدم والأبدية بإلزامات لا يملكون معها إلا أن يسلّموا لقوله، وهذا يدل على عمقه وسبره أغوار القوم.
الفصل الثالث
صدور العالم عن المبدأ الأول
ويرى الغزالي أن الفلاسفة اتفقت على أن للعالم صانعًا وفاعلًا"لكن هذا القول هو تلبيس على أصلهم؛ لأنه بحسب أصلهم لا يتصور أن يكون العالم من صنع الله وفعله، وذلك من ثلاثة أوجه:"
أ الفاعل بالإرادة والعلم والاختيار:
الفاعل هو من يصدر عنه الفعل بإرادته وعلمه واختياره، وعند الفلاسفة العالم لازم من الله لزوم المعلول من العلة، كالظل من الشخص، والنور من الشمس، وهو لزوم ضروري. وليس هذا من الفعل في شيء؛ إذ لا يجوز أن يسمى كل سبب بأي وجه كان فاعلًا، ولا كل مسبب مفعولًا، وإلاّ أصبحت الجمادات فاعلة، ولا تسمى فاعلة إلا بالاستعارة.
وقسمة الفعل إلى فعل بالطبع وفعل بالإرادة باطل؛ لأن الفعل يتضمن الإرادة ضرورة.
والفعل بالطبع يسمى فعلًا مجازًا، وتسمية الفاعل فاعلًا عن طريق اللغة هو مجاز أيضًا؛ لأن من ألقى انسانًا في النار فمات، كان هو القاتل دون النار.
(1) - الأخير 71. التهافت من 124 - 133. بحذف يقتضيه المقام.