الدليل الرابع: دليل الإمكان.
قالوا: كل حادث فالمادة التي فيه تسبقه إذ لا يستغني الحادث عن مادة فلا تكون المادة حادثة وإنما الحادث الصور والأعراض والكيفيات على المواد. ... ممكنة له وبيانه أن كل حادث فهو قبل حدوثه لا يخلوا إما أن يكون ممكن الوجود أو ممتنع الوجود أو واجب الوجود ومحال أن يكون ممتنعًا لأن الممتنع في ذاته لا يوجد قط ومحال أن يكون واجب الوجود لذاته فإن الواجب لذاته لا يعدم قط فدل أنه ممكن الوجود بذاته. فإذن إمكان الوجود حاصل له قبل وجوده وإمكان الوجود وصف إضافي لا قوام له بنفسه فلا بد له من محل يضاف إليه ولا محل
إلا المادة فيضاف إليها كما نقول: هذه المادة قابلة للحرارة والبرودة أو السواد والبياض أو الحركة والسكون.
هذا مذهب الفلاسفة، والاعتراض عليه أن يقال:
الإمكان يرجع إلى قضاء العقل، فهو قضية عقلية، وحكم عقلي. فالممكن هو الذي إذا قدّر العقل وجوده لم يمتنع. كالسواد مثلًا، الذي يقدَّر العقل إمكانه قبل وجوده. فان طرأ على جسم يضاف إليه قيل: هذا الجسم قبل حلول السواد فيه كان ممكنًا أن يسودّ. فالإمكان هنا للجسم. ولكن ما حكم نفس السواد في ذاته؟ هل هو ممكن؟ ولا بد من القول بأنه ممكن، وتعقّل ذلك لا يفتقر إلى وجود شيء يضاف إليه.
كذلك القول في نفوس الآدميين فهي حادثة عند الفلاسفة، وهي قبل حدوثها ممكنة، دون أن يكون لإمكانها ذات ولا مادة.
ثم إن الإمكان لو استدعى الامتناع شيئًا يقال إنه امتناعه. والممتنع لا وجود له لا في ذاته ولا في مادة.
ولو أجيب بأن الامتناع كالإمكان، يستدعي موضوعًا يضاف إليه، وأن السواد في نفسه ممتنع لا ممكن، و أن النفس قديمة، وأنه لو سلم حدوثها فهي منطبعة في مادة، تابعة للمزاج، فتكون في مادة كما ذهب إليه جالينوس. يردّ هذا الجواب بأن الكليات بحسب اعتراف الفلاسفة موجودة في الأذهان لا في الأعيان كاللونية والحيوانية مثلًا. ثم إن العذر بالنفوس باطل أيضًا فليس لإمكانها قبل حدوثها شيء يضاف إليه، لأن إضافتها إلى المادة