وجب قدم الزمان وهو عبارة عن قدر الحركة وجب قدم الحركة ووجب قدم المتحرك الذي يدوم الزمان بدوام حركته [1] .
وهذه صيغة أولى للفلاسفة في قدم الزمان، ولهم فيه صيغة ثانية هي:
لو فرض العالم حادثًا، ألم يكن الله قادرًا أن يخلقه قبل أن خلقه بقدر سنة أو أكثر؟ وإذا لم يكن جائزًا إطلاق لفظ السنين قبل حدوث الفلك يقال: إذا قدّرنا أن العالم قد دار منذ وجوده إلى اليوم ألف دورة مثلًا، أفلم يكن الله قادرًا على خلق عالم قبله ينتهي إلينا بألف ومائة دورة؟ وعالم ثالث ينتهي بألف ومائتي دورة؟ [2] .
واعترض الغزالي على هاتين الصيغتين:-
"فعلى الأول اعترض بأن تقدير الزمان قبل العالم هو من عمل الوهم؛ لأن الزمان مخلوق؛ وعجز الوهم عن تقدير تناهيه كعجزه عن تقدير تناهي الأجسام؛ فيتوهم أن وراء العالم ملأ أو خلاء واعترض على الصفة الثانية بأنها من عمل الوهم أيضًا، وأقرب طريق لدفعه مقابلة الزمان بالمكان؛ فكما أنه لا يمكن تقدير خلق الفلك الأعلى في سمكه أكبر مما خلق بذراع أو ذراعين أو ثلاثة، كذلك لا يمكن تقدير إمكانات زمنية قبل هذا العالم [3] ."
الدليل الثالث:- الإمكان.
دليل الفلاسفة أنهم يرون أن العالم قبل وجوده ممكن، أي ليس بممتنع، وهذا الإمكان لا أول له، حتى لا يوصف العالم قبل ذلك بامتناع الوجود فإمكانه إذن أزلي، والموجود بهذا الإيمكان وجوده أزلي أيضًا لأن معنى كونه ممكنًا وجوده أنه ليس محالًا وجوده، ولو صح أن لإمكانه أولًا لكان قبل ذلك غير ممكن وجوده أي محالًا وجوده ولكان الله غير قادر عليه، وبطلانه بديهي.
ويقرض عليه الغزالي بأن العالم ممكن بمعنى انه ممكن الحدوث أزلًا فلا وقت من الأوقات إلاَّ ويتصور إحداثه فيه، واقتراض وجود لا ينتهي طرفه غير ممكن؛ لأنه كتقدير العلم أكبر مما هو، وتقدير خلق آخر فوقه، وهو غير ممكن ذلك [4] .
(1) - تهافت الفلاسفة 110.
(2) - مشكلة الصراع 47.
(3) - السابق.
(4) - التهافت 118 ومشكلة الصراع 54.