ومع أن الروايتين لا يصح سندهما ولا ينطبق متنهما على موضع القبر المزعوم، إلا أن هذا المصنف وجد أن الرواية الأولى يمكن أن يغالط بها القارئ بينما الرواية الثانية لا يمكن أن تمر على أحد فأخفاها، وهذا هو الهوى، نسأل الله أن يعصمنا منه، ولا غرابة فهذه هي طريقة المبتدعة في الاستدلال، يحتجون بالواهيات والموضوعات، ويلوون أعناق النصوص لتوافق هواهم، ويردون ما يخالف هواهم ولو كان في الصحيحين أو أحدهما، وهذه الطائفة المبتدعة عندنا في حضرموت يطعنون في حديث الجارية الذي رواه مسلم في صحيحه لأنه يثبت أن الله في السماء على ما يليق بجلاله وكماله، فيطعنون فيه لأنه صريح في الرد عليهم، وهم مع ذلك تراهم هنا يحتجون بالموضوعات والواهيات والحكايات التي لا زمام لها ولا خطام.
ولعلي أطلت في تتبعهم فيما نقلوه من كتب التفسير حتى لا يأتوا يومًا آخر فيقولوا للعامة: معنا أدلة غير ما ذكر، والله أعلم.
المبحث الرابع: الروايات التاريخية في الموضوع:
لقد ذكر المروجون لهذه الزيارة عددًا من النقول التاريخية التي تخدم - في زعمهم - قولهم بوجود القبر في ذلك الموضع، وليس هناك شيء صريح في تحديده أبدًا، وكثير من تلك النقول في الحقيقة معتمدة على ما ذكرنا بطلانه من الآثار المنسوبة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أو إلى ما ذكره الإخباريون القدامى الذين طُعن فيهم واتهموا بالكذب، كابن الكلبي وعبيد بن شرية الجرهمي والواقدي ونحوهم، وهذه النقول لا يمكن الاعتماد عليها وإثبات الأحكام الشرعية بها.
إن احتمال وجود قبر هود بحضرموت قائم وقوي، ولكن تحديد هذا الموضع هو الذي لا يمكن إثباته، وهنا ثلاثة من مشاهير مؤرخي حضرموت يصلون إلى هذه النتيجة.