على أن العالم الإسلامي لم يخل من رجال راسخين، تخطوا هذه السدود التى صنعها ضيق العطن، والتى باعدت للأسف بين أتباع دين واحد! فوجد في مصر والشام والأفغان والجزائر والحجاز من يتسع عقله و ضميره للتقريب بين تفكير السلف والخلف، وتفكير الفقهاء والمتصوفة، وتفكير العباديين والاجتماعيين، وتفكير الحرفيين والموضوعيين.. وهكذا.. إن الفلاحين في بلادنا لا يعرفون الدنيا إلا سهولا خضراء منبسطة ، لا نجود فيها وهاد، وأعراب الجزيرة لا يعرفونها إلا أرجاء من الرمال والجبال، تسودها الوحشة، ويغمرها الجدب. وسكان الجزر تطالع أبصارهم في الصباح و المساء بحارا لا آخر لها، تسرح فيها الأمواج، وتسبح السفن. وزنوج أفريقيا يحيون وسط غابات متشابكة، وأشعة محرقة، وطفولة في أطوار الحياة.. وكل فريق من هؤلاء يخطئ إن حسب العالم أجمع لا يعدو ما رآه، وعاش في طواياه0 ومهما طالت الألف، واستقر الظن، فإن حقائق العالم التى حجبها القصور يجب أن تستكشف، وأن تعرف، وأن يعترف بها..!! كذلك الدين ، إن أسوأ ما بلى به جانب منه ونسيان جانب آخر، ثم تضخيم ما يعرف، وتهوين ما يجهل!! وقد تهون عواقب هذا القصور في شئون الناس المادية، أما بالنسبة إلى الإسلام: وهو جملة حقائق أحصاها القرآن وبينا الرسول، فان الأمر جل ويعظم إذ أن هذه الحقائق قد تشبه مثلا جهاز"الراديو"تكمل بين يديك عدده وصماماته، ثم يتعطل السماع منه لانكسار قطعة فيه لا تساوى بضعة قروش!! أو كالمنضدة التى تتكفأ مكانها، ولا يستقر عليها شئ لقصر في إحدى قوائمها يمكن علاجه بجهد تافه. والمجتمع الإسلامي قد يسرى إليه الخلل لمثل هذا النقص. بل إن النفس الإسلامية قد طرأ عليها عوج بالغ- منذ عدة قرون- لعجز الدعاة ومعلمى الدين عن ترتيب معالمه، وتقديم ما يستحق التقديم أو تأخير ما يستحق التأخير، فكانوا كالطبيب الذى اضطرب في عقاقير الدواء، زاد ما ينبغى نقصه، ونقص ما ينبغى زيادته فصار دواؤه