مجال المقارنة الواعية بين أحوال الأمة الإسلامية وغيرها من الأمم آلتي اشتبكت معها في سلم أو حرب ..
وهذه المعارف اللازمة قد تسبق الدراسات الدينية الخاصة أو قد تقارضها وعلى كل حال يجوز أن يشتغل بتعاليم الدين رجل فارغ منها أو تافه الحظ فيها، فإن تصدى رجل للدعوة إلى الله أو لتعليم رسالاته وهو يجهل طبيعة كونه وخلقه، أو هو يكون عنها فكرة مغلوطة أمر لا يليق، وهو قبل أن يسئ إلى الشخص يسئ إلى ما يعلمه،وإلى ما يدعو الناس إليه...!
والمأخذ الثالث على التعليم الديني عندنا ضعف الاستيعاب لجملة الحقائق التى جاء بها الإسلام، والغلو في تقدير الأجزاء المتبلورة التى تتاح معرفتها للبعض مع القصور في معرفة الأجزاء المكملة الأخرى مع ما يكون لها من خطر وأثر!!
ففقه العبادات ربما لا يتجاوز المسجد وميضأته، والسنة النبوية لا يدرس منها
إلا ما يمس الناحية الخاصة، أو أركان الإسلام الخمس. وأصحاب العاطفة المضطربة أو المستقرة! يهتمون بالتصوف، وجانبه الروحى السلبى، وينكمشون عما عداه. وأغلب المتعلمين في البلاد الإسلامية تنفتح أمامه نافذة معينة إلى هذا الدين فلا يرى إلا مد بصره هو، ثم يحاسب ما يرى هر الأول والأخر..
وقد ظل الأزهر- وهو أكبر معهد إسلامي- يطنب في شرح العبادات الشخصية، ويحسب جهده هذا إحاطة لها شأنها!! في الوقت الذى ذهل فيه ذهولا معيبا عن التشريعات التجارية والاقتصادية، والسياسية والاجتماعية التى ذخر بها الإسلام، وخاض فيها الأقدمون.
والذى وقع فيه الأزهريون وقع في مثله خلفاء وتلاميذ الإمام المصلح محمد بن عبد الوهاب في نجد والحجاز. بل إن مدارس أخرى في المشرق والمغرب قد صارت في الطريق نفسها ومع أن كل فريق شغل نفسه بما لم يشتغل به الآخر. فقد حسب ! ما عنده اللباب الذى لا يلتفت إلى ما عداه. وتلك هى المأساة..
ص _031