الكريم، ومنها إلى معاهد الأزهر الشريف، فكلياته العليا، هذه الألوف لا يتهيأ أغلبها ـ بطبعه الخاص ـ كى يحمل رسالة تخير الله لها صفوة خلقه في الأولين . وليس ذلك طعنا في صلاحية هؤلاء الناس للتعليم والإنتاج، فقد يكونون أقدر من الألوف الأخرى في شئون الحياة، وفنون المعرفة، وأنواع الحرف الأخرى.. أما هذا الضرب الخاص من مواريث النبوات، فهم عزوف عنه بطبائعهم. وربما أجادوا خدمة الدين والدنيا في نواح هامة لا تصل بالتعلم والتعليم، غير أن الأوضاع الظالمة هى التى حصرتهم برغمهم في هذا اللون من الدراسة!!! ونشأ عن عدم التلاقى بين الطبيعة والوظيفة، أن عددا كبيرا من أئمة المساجد ووعاظها يكره العمل الذى كلف به وعاش منه، اللهم إلا أن يكون مكفوف البصر، فسيبقى رهين محبسه: من ضرارة، وتعليم دين!!! ومن يدرى لو أتيح له ما أتيح للدكتور"طه حسين"؟ ما نأمن أن ينقل شبه المستشرقين والمبشرين ليناوش بها قلاع الوحى كما فعل أخ له من قبل!! وكثيرا ما أقارن بين بعض المدرسين في المعاهد والكليات وبين اخوتهم في الريف، فما أجد فارقا بينًا بين سلوك وسلوك، بل قد أجد هؤلاء الفلاحين أدنى إلى طاعة الله وخشيته. ثم تنظر أخيرا إلى أولاد العلماء فترى الجمهرة العظمى سلكت طريقها في التعليم المدنى، وأن واحدا في الألف من أولئك الآباء هو الذى يشعر في قرارة نفسه بالرضا عن عمله أو الطمأنينة على مستقبله . . والدولة من عشرات السنين تحمل تبعة هذه الغضاضة. فمنذ ثلاثين سنة، ويوم كنا طلابا في الفرق الأولى، ونحن نتصايح بطلب الإصلاح دون جدوى.. ومن الفكاهات التى تداولناها، ونحن لما نزل طلابا في المعاهد: لماذا لم يختر فلان شيخا للأزهر؟ فيكون الجواب: لأنه عالم، أو لأنه جرئ، أو لأنه حر! وهذه أحوال توجب الرثاء، فإن العمل للإسلام قد يتطلب قليلا أو كثيرا من الجراءة، أو البذل، أو الغربة. أو الاستيحاش من الحاكمين ، فكيف يقدر عليه ص _028